الصفحة 3 من 42

للصحابة دون عداء الباطنية، فإن ضلالهم أقل، وانحرافهم أدنى من الباطنية، وكان الأشاعرة قريبين من أهل السنة في باب الصحابة، ولذا: كانوا أقرب من غيرهم، مع أنهم لم ينفكوا عن شعبة من الرفض عندما زعموا أن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم [1] . (*)

كان الصحابة (رضي الله عنهم) على عقيدة واحدة، فهم خير القرون، قد تلقوا الدين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة، ففهموا من مقاصده- صلى الله عليه وسلم-، وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهًا ما لم يحصل لمن بعدهم [2] .

لقد تلقوا النصوص بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها أمرًا واحدًا، وأجروها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين؛ فآمنوا ببعضها، وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين [3] .

قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وَلَهُمْ على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسّر، وما دونهم مقصّر، لقد قصّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم [4] .

وأوصى الإمام الأوزاعي رحمه الله من سأله ع ن القَدَر بهذه الوصية: وأنا أوصيك بواحدة، فإنها تجلو الشك عنك، وتصيب بالاعتصام بها سبيل الرشد ـ إن شاء الله تعالى ـ: تنظر إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا الأمر؛ فإن كانوا اختلفوا فيه، فخذ بما وافقك من أقاويلهم، فإنك حينئذ منه في سعة، وإن كانوا اجتمعوا منه على أمر واحد لم يشذ عنه منهم أحد، فأين المذهب عنهم، فإن الهلكة في خلافهم، وإنهم لم يجتمعوا على شيء قط فكان

(1) انظر: التسعينية لابن تيمية، ص256.

(2) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، جـ27، ص388.

(3) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم، جـ1، ص49.

(4) أخرجه أبو نعيم في الحلية، جـ5، ص338، وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (القدر) : جـ2، ص247 عن عبد العزيز الماجشون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت