الهدى في غيره، وقد أثنى الله عز وجل على أهل القدوة بهم فقال: (( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ ... ) ) (التوبة: 100) واحذر كل متأول للقرآن على خلاف ما كانوا عليه [1] .
وكان اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه والفروع أكمل من اجتهادات من بعدهم، وصوابهم أكمل من صواب المتأخرين، وخطؤهم أخف من خطأ المتأخرين [2] ، ولذا: قال الإمام الشافعي رحمه الله: هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا [3] .
يقول ابن القيم معلقًا على كلام الشافعي: قد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته ... وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة: أن يكون رأيهم لنا خيرًامن رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمة وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًّا طريًّا لم يَشُبْه إشكال، ولم يَشُبْه خلاف [4] .
وفي باب التعبد والسلوك كان الصحابة رضي الله عنهم أرباب النسك الشرعي الكامل ـ كما سبق وصفهم في مقالة الحسن البصري ـ يقول ابن تيمية: فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما ما جاء عن من بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلًا ... فمن بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه: فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريق أئمة الهدى [5] .
* لقد خلّف الصحابة رضي الله عنهم ثروة نفيسة من الأقوال المأثورة، والمواقف العملية المسطورة في سائر المجالات من: عقيدة، أو فقه، أو سلوك، أو دعوة ... إلخ، وكم نحتاج إلى النظر في تلك الآثار، والانتفاع بها، خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه ـ ولله الحمد ـ من يطالب بالأخذ بالكتاب والسنة.
أهمية متابعة منهج الصحابة:
(1) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (القدر) : جـ2، ص254.
(2) انظر: منهاج السنة النبوية، جـ6، ص80.
(3) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم، جـ1، ص80.
(4) إعلام الموقعين: جـ1، ص81، 82 باختصار.
(5) مجموع الفتاوى: جـ10، ص362، 363 باختصار.