إن الرجوع إلى كلام الصحابة رضي الله عنهم ـ في فهمهم للنصوص الشرعية ـ من القواعد الجليلة والقضايا الكبيرة التي تحقق سلامة في المنهج، ونجاة من الشبهات والشهوات والضلال والغي.
وأقدم لك أخي القارئ جملة من أقوال الصحابة (رضي الله عنهم) وما تضمنته من المعاني المهمة والمسائل المفيدة، راجيًا من الله تعالى أن تكون باعثًا إلى الاستفادة من فقههم والانتفاع بعلومهم رضي الله عنهم:
* يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجدًا، أو أجالس قومًا يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط طيب الثمر [1] .
يقول ابن تيمية في بيان عظم هذه المقالة الرائعة: وكلام عمر رضي الله عنه من أجمع الكلام وأكمله، فإنه ملهم محَدّث، كل كلمة من كلامه تجمع علمًا كثيرًا، مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن؛ فإنه ذكر الصلاة، والجهاد، والعلم، وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة؛ قال أحمد بن حنبل: أفضل ما تطوع به الإنسان: الجهاد، وقال الشافعي: أفضل ما تطوع به: الصلاة، وقال أبو حنيفة ومالك: العلم.
والتحقيق أن كلاّ من الثلاثة لابد له من الآخرَيْن، وقد يكون هذا أفضل في حال، وهذا أفضل في حال، كما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه يفعلون هذا وهذا وهذا، كلّ في موضعه بحسب الحاجة والمصلحة، وعمر جمع الثلاث [2] .
* وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا يَرْجُوَنّ عبد إلا ربه، ولا يخافَنّ إلا ذنبه [3] .
وقد سئل ابن تيمية عن معنى هذه العبارة، فكان مما قاله (رحمه الله) : هذا من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه، فإن الرجاء يكون للخير، والخوف يكون من الشر، والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه، كما قال تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ) (الشورى: 30) ، وقال تعالى: (( فَأخَذْنَاهُم بِالْبًَاَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42) فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بًَاسُنَا تَضَرَّعُوا )) (الأنعام: 42، 43) .
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، جـ13، ص272.
(2) منهاج السنة النبوية: جـ6، ص75.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، جـ13، ص284.