الصفحة 6 من 42

أي: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، فحقهم عند مجيء البأس: التضرع؛ قال عمر بن عبد العزيز: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، ولهذا قال تعالى: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا ) )إلى أن قال تعالى: (( إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران: 173 - 175) .

فنهى المؤمنين عن خوف أولياء الشيطان وأمرهم بخوفه، وخوفه يوجب فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والاستغفار من الذنوب، وحينئذ يندفع البلاء، ويُنتصر على الأعداء، فلهذا قال علي رضي الله عنه: لا يَخَاَفَنّ عبد إلا ذنبه، وإن سلط عليه مخلوق، فما سلط عليه إلا بذنوبه؛ فليخف الله، وليتب من ذنوبه التي ناله بها ما ناله.

وأما قوله: لا يَرْجُونّ عبد إلا ربه، فإن الراجي يطلب حصول الخير ودفع الشر، ولا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب السيئات إلا الله، (( وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ وَإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (الأنعام: 17) .

والرجاء مقرون بالتوكل، فإن المتوكل يطلب ما رجاه من حصول المنفعة ودفع المضرة، والتوكل لا يجوز إلا على الله، كما قال تعالى: (( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (المائدة: 23) .

فكل خير ونعمة تنال العبد فإنما هي من الله، فالرجاء يجب أن يكون كله للرب، والتوكل عليه، والدعاء له، فإنه إن شاء ذلك ويسره: كان وتيسر - ولو لم يشأ الناس - ... [1] .

* وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار [2] .

قال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات: وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه؛ فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله تعالى وتوحيده، وحبّه وخوفه.

(1) مجموع الفتاوى: جـ8، ص161، 166 باختصار.

(2) أخرجه البخاري تعليقًا، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (جـ1، ص83) : مثله لا يقال بالرأي؛ فهو في حكم الرفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت