وبذل السلام للعالم: يتضمن تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه ...
وأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرة منه وفضلًا، وتكذيبًا بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء [1] .
وجاء في فتح الباري: قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان من جمع الثلاث مستكملًا للإيمان؛ لأن مداره عليها، لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أداه، ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإيمان. وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب. والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم لأنه إذا أنفق مع الإقتار كان مع التوسع أكثر إنفاقًا، وكونه مع الإقتار يستلزم الوثوق بالله والزهد في الدنيا وقصر الأمل وغير ذلك من مهمات الآخرة [2] .
* وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادةً من المغترين [3] .
قال ابن القيم ـ معلقًا على تلك العبارة ـ: وهذا من جواهر الكلام وأدله على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضي الله عنهم.
فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح، قال تعالى: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ ) ) (الحج: 32) .
وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: التقوى ههنا وأشار إلى صدره، فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية ـ مع العمل القليل ـ أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك التعب الكثير ... إلخ [4] .
(1) زاد المعاد: جـ2، ص407، 410 باختصار
(2) فتح الباري: جـ1، ص83.
(3) الفوائد لابن القيم: ص133، 134.
(4) الفوائد لابن القيم: ص133، 134.