فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: وكيف ذاك؟، فقال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون) [1]
وجاء رجل من المرجئة لأيوب السختياني، فقال: إنما هو الكفر والإيمان، فقال أيوب: أرأيت قوله: (( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) ) [التوبة: 106] ، أمؤمنون هم أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي! [2]
ولعل هذا الأثر يكشف سبب إنكار أولئك المرجئة للنفاق، فهذا المرجئ يقول: -صلى الله عليه وسلم- إنما هو الكفر والإيمان، ومقصوده: أن الإيمان شيء واحد إذا ثبت بعضه ثبت جميعه، وإذا زال بعضه زال جميعه، فلا يجتمع ـ عندهم ـ في العبد إيمان وكفر أو نفاق أصغر، ولذا: احتج عليه أيوب بالآية الكريمة (( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ ) ).
فهذا صنف جمعوا بين إيمان ومعاصٍ، وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فأمْرهم إلى الله (تعالى) ، فليسوا من أهل الإيمان المطلق التام، كما أنهم ليسوا كفارًا مطلقًا.
وقد غلط المرجئة في ذلك، فليس الإيمان شيئًا أو شعبة واحدة، بل إن الإيمان شعب متعددة ـ كما في حديث شعب الإيمان ـ وكذلك الكفر والنفاق شعب متعددة.
ويدل على ذلك: ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: (( ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، فقال رجل: يا رسول الله، ذهبت اثنتان وبقيت واحدة؟ قال: فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي منهن شيء ) ) [3]
قال الذهبي: (وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص .. ) [4]
وقال شيخ الإسلام: (وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة .. ) [5]
(1) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 53.
(2) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 92.
(3) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 4، وقال الذهبي في السير (11/ 362) : (هذا حديث حسن الإسناد) .
(4) سير أعلام النبلاء، 11/ 362.
(5) مجموع الفتاوى، 28/ 433.