الصفحة 21 من 26

ولا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه وذلك له شروط وموانع وإذا لم يكونوا كفارًا لم يكونوا منافقين فيكونون من المؤمنين فيستغفر لهم ويترحم عليهم .." (منهاج السنة 5/ 241) ."

فمن اتخذ دون المسلمين فرقة أو جماعة أو حزبًا وجعل لهم مسمىً خاصًا يوالي عليهم ويعادي عليهم دون سائر المسلمين، ويفرق بذلك جماعتهم فقد دعا إلى معصية، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعَا إِلى عَصَبِيّةٍ, وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيّةٍ, وَلَيْسَ مِنّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيّةٍ" (رواه أبو داود) .

* تاسعًا: عدم المنافاة بين الالتزام بثوابت الوحي ومتغيرات الواقع:

الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، والشرعة التي شرعها لنا هو الحق الثابت إلى يوم القيامة {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا} ، وقال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ً فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة:3) . فما أخبر الله به من خبر فهو حق وصدق، وما شرعه فهو حق وصدق، وما أحله الله فهو الحلال إلى يوم القيامة، وما حرمه فهو الحرام إلى يوم القيامة، وما حده من حدود، ووضعه من شروط، فهو على النحو الذي شرعه لنا إلى يوم القيامة.

ولا ينافي ذلك: أن تتغير الأحوال فتتغير الأحكام تبعًا لذلك، وهذا التغيير قد جاءت به الشريعة كذلك في أبواب الضرورة ورفع الحرج، وسقوط التكليف عند تعذر القيام بالأمر. كقول كلمة الكفر لسانًا دون القلب للمكره، وأكل ما حرم الله من الميتة وغيرها للمضطر .. وتقاة الكفار في حال دون حال، واختيار نوع الإنكار بالقلب واللسان دون اليد لعدم القدرة، وتحول المسلمين اليوم من جهاد الطلب إلى جهاد الدفع، بل اضطرارهم في كثير من أوطانهم إلى الصبر على الأذى والقتل والتعذيب دون القيام بجهاد الدفع الذي هو من أعظم الفرائض والواجبات، وكل هذه المتغيرات ليست ابتداعًا في الدين، ولا تشريعًا جديدًا بناقص أو ينافي تشريع رب العالمين، بل هي من الشريعة المطهرة التي جاء بها الوحي مراعيًا المتغيرات، والظروف، والأحوال.

ومن أوقع حكم الشريعة في محله مراعيًا ظروف الاستخلاف والاستضعاف فقد وفقه الله لاتباع الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت