الصفحة 22 من 26

* عاشرًا: مراعاة الأولويات:

من أصول منهج أهل الحق والاستقامة أن يراعوا الأولويات في العمل والدعوة والجهاد، فمن ذلك:

* البدء بالأهم فالمهم: كما في حديث معاذ عندما أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال:"إنكَ تَقدَمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ, فلْيكُنْ أولَ ما تدَعوهم إليهِ عبادةُ اللهِ, فإذا عَرفوا اللهَ فأخبرهم أنّ اللهَ قد فرضَ عليهم خمس صلواتٍ في يومِهم وليلتَهم, فإذا فَعلوا الصلاةَ فأخبرهم أنّ اللهَ فرضَ عليهم زكاةً مِن أموالِهم وتُرَدّ على فُقرائهم, فإذا أطاعوا بها فخُذْ منهم, وتَوَقّ كرائمَ أموالِ الناسِ" (البخاري) .

* ومن ذلك الاهتمام بالواجبات قبل المستحبات والمندوبات كما في الحديث الإلهي عن أبي هريرة قال: قال رسول الّله - صلى الله عليه وسلم:"إن اللّهَ قال: من عادَى لي وَليًّا فقد آذَنْته بالحرب. وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افتَرَضْته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه, فإذا أحبَبته كنت سمعه الذي يسمع به وبَصرَه الذي يبصر به ويدَه التي يبطِش بها. ورجله التي يمشي بها, وإنْ سألني لأَعطينه, ولئن استعاذ بي لأعيذَنه. وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترَدّدي عن نفسِ المؤمن يكرَه الموتَ وأنا أكرَه مَساءته" (البخاري) .

* ومن ذلك الاهتمام بالعدو القريب قبل البعيد: قال تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين { [التوبة:123] .

* ومن ذلك دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح كما جاء في الحديث: عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنهُ سمعَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يَخلُوَنّ رجلٌ بامرأةٍ, ولا تُسافِرَنّ امرأةٌ إلا ومعَها مَحْرَم. فقامَ رجُلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ, اكتَتَبْتُ في غَزوةِ كذا وكذا, وخَرَجتِ امرأتي حاجّة. قال: اذهَبْ فاحجُجْ مع امرأتك" (البخاري) .

* ومن ذلك تحصيل أعظم المنفعتين فمن لم يكن له خيار إلا بتحصيل منفعة واحدة وتفويت أخرى فليأخذ الكبرى ويدع الثانية .. وكذلك من كان الاختيار له إلا بارتكاب مفسدة من اثنتين فليرتكب أخفهما ضررًا كما جاء في حديث أنسِ بن مالك أنّ أعرابيًا بالَ في المسجدِ, فقاموا إليه, فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُزرِموه. ثم دعا بدلوٍ من ماء فصبّ عليه" (البخاري) . وكما ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - حصار الطائف وعاد عنها كانت المفسدة في البقاء أكبر.

واتباع الأولويات باب عظيم من أبواب الفقه، ولعله أعظم أبواب الاجتهاد فإن الترجيح بين المصالح والمفاسدة، وتقديم الأهم على المهم، وترتيب منازل الأعمال والاعتقادات، والدعوة والجهاد، أمر عظيم لا يوفق إليه إلا كل عالم موفق، وإذا اجتهد الإمام فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت