... سنأخذ من مصر مثالًا على العلاقة بين السياسة والخرافة، وسنرى أنه كان في مصر كما في بلاد كثيرة غيرها ذلك الحلف غير المقدس بين هاتين القوتين.
... لقد كانت الصوفية في عهد الملكية المصرية، تضفي طابعًا دينيًا على المناسبات المتعلقة بالحكام، حتى تلك المناسبات الخاصة منها؛ فكان مشايخ الطرق يعدون العدة مثلًا للاحتفال بعيد ميلاد الملك، الذي يبدأ من صلاة الفجر بالمواكب التي تجوب الشوارع بالرايات والشارات، وكانت المشيخة العامة تصدر منشورًا عامًا يوزع على الطرق في هذه المناسبة، وتتصل بمأموري المراكز لحماية تلك المواكب، وكانوا كذلك يحرصون على إحياء الذكريات الحزينة لوفاة من يموت من الأسرة الملكية ، كذكرى اليوم السابع ويوم الأربعين، والذكرى السنوية الأولى والثانية والثالثة ...إلخ.
... وكانت بعض الطرق الصوفية بدورها تتلقى المكافأة على تلك المداهنة إلى حد يوصلها إلى المنزلة والقربى بل تتعداها أحيانًا إلى السطوة والسيطرة على ساحة التوجيه.
... ومن الأمثلة الصارخة على هذا، أن الملك فؤاد عندما تطلع إلى تولي منصب (الخلافة) في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا، صدّر لهذه المهمة الشيخ محمد ماضي أبو العزايم أحد مشايخ الطرق المشهورين في مصر في ذلك الوقت .. ولكن جهود الملك لإعلان نفسه خليفة لم تكلل بالنجاح بعد ذلك، لأسباب كثيرة منها تخلي أبي العزايم نفسه عن هذه الدعوة لصالح الملك فؤاد، وانتهى الأمر بوفاة الملك دون أن يحقق هذا الأمل.