... ولأن أمر هذه القبور المكذوبة والموهومة أصبح شائعًا، ولأن الأمر ليس في حقيقته إلا إشباع التأله في القلوب، فقد قرروا ذلك في صراح ، فقال أحدهم: ولا يحتاج أن يطلب دليل وسند لصحة نسبة هذه الآثار إلى أصحابها، ويكفي أن تكون نسبتها مشهورة بين الناس.
... وقال الآخر: وعلى كل حال فلا بأس من زيارته - أي القبر - على من توهم من وجوده، فالمهم أنه يجب علينا التسليم في ذلك كله، واعتقاد تعظيم القبور المذكورة بما يعد تعظيمًا، وبكل ما يليق من الاحترام، ولو على تقدير توهم الصحبة.
... ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى أَضْرَحة"دواب الأولياء"، ففي اللاذقية بسورية حضرة يقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تزار وتبخر، فالقبوريون عباد كل ضريح حتى لو ثبت عدم صحة نسبة الضريح إلى صاحبه أو كان الضريح لدابة أو ثبت عدم وجود قبر أصلًا.
... وما دام الأمر كذلك، فما الفرق بين كوم تراب وحجارة أو أخشاب أو نحاس أو أي شيء من المخلوقات؟ لا فرق، المهم وجود السر والتوجه إلى صاحبه! وهذا ما أوقع القبوريين في وثنية صريحة لا خفاء فيها ولا مواربة.
... ففي الهند يأخذون قليلًا من التراب من مكان ما، ويعطونه حكم نعش الإمام الحسين، ويضعونه على مكان مرتفع كصُفّة وغيرها، ثم يقدمون له كل يوم أنواعًا من الشراب والحلاوة، والزهور والعطور وغيرها، ولا يسمحون لأحد أن يمر بتلك الصفة متنعلًا، ويسجدون لذلك التراب الذي أعطوه حكم قداسة جنازة الحسين، ويطلبون منه المال والأولاد.
... ولقد شاهد الشيخ محمد رشيد رضا بعض الرجال والنساء من العامة في مسجد (الحسين) بالقاهرة يطوفون بعمود من الرخام، ويتمسحون به التماسًا للبركة وتقربًا إلى (السيد البدوي) ! معتقدين بأنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين، ومنهم من يزعم أن روح السيد ترفرف دائمًا هناك.