كونها صادرة من إمام متفق عليه.
كونه لم يرد أحد كلامه هذا، ولم يعارضه أحد، لا من معاصريه، ولا من أتى بعده، فهل يعقل أن يكذب في شهادته، أو يخطئ، ثم يسكت عنه جميعهم، من أولهم إلى آخرهم، مع ظهور المسألة، وعدم خفائها ؟.
كون القشيري عاش في القرن الرابع والخامس (376-465هـ) ، وهذه الفترة متقدمة في التصوف، وبينه وبين بداياته حوالي القرن والنصف، فهذه المرحلة من المراحل الأولى، التي تلت مرحلة التأسيس، وفيها اكتمل البناء.. في هذه الفترة يخرج القشيري لينفي العلاقة بين المتصوفة ولبس الصوف.. فهو عارف بعصره، ومدرك للفترة التي سبقت، لقربه منها، وهذه شهادته القريبة غير البعيدة.
فكل هذه الدلائل تبطل اختصاص المتصوفة بلبس الصوف، كما قال القشيري.
حتى ابن تيمية، وهو من أكثر الناس فهما وعلما بتاريخ التصوف، وعلومها، ورجالها، وممن ذهب إلى ترجيح القول باشتقاق التصوف من الصوف، فإنه يقول:
"وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس الصوف. فقيل في أحدهم: صوفي."
وليس طريقهم مقيدا بلبس الصوف.
ولا هم أوجبوا ذلك.
ولا علقوا الأمر به.
لكن أضيفوا إليه؛ لكونه ظاهر الحال" (1) ."
وقوله:"لكونه ظاهر الحال". يحتمل أمرين:
الأول: أن ظاهر حالهم لبس الصوف. وهذا مردود بشهادة القشيري.
الثاني: أن لبس الصوف ظاهر حال الزهاد، وهؤلاء لما نسبوا إلى الزهد، نسبوا كذلك إلى الصوف تبعا.
والمهم في كلامه: أنه أثبت أنهم لم يختصوا به. حيث لم ينظّروا لشيء من أمور الاختصاص؛ فلم يشترطوه، ولم يوجبوه، ولم يعلقوا به الأمر. وهذا هو المطلوب.
ولا يعكر على هذا: أن بعضهم لبس الصوف. فالعبرة بالشهرة والاختصاص.
(1) - الفتاوى، ابن تيمية، 11/16.