فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 71

إن القول باشتقاق التصوف من الصوف، يلزم منه أن يكون الأصل فيهم لبس الصوف، فإذا كان العكس هو حالهم، فحينئذ لا معنى لأن يكون مشتقا من الصوف؛ لأنهم لم يمتازوا به، وهذا ما قرره القشيري من المتصوفة، ومن غير المتصوفة ابن تيمية، وبذلك يستوي هم وغيرهم فيه.

هذا وإن مما يبطل الوجهين جميعا: نسبة التصوف إلى الصوف، من جهة الاشتقاق، ومن جهة الحال: خلو تعريفات التصوف من ذكر الصوف؛ فالمتتبع والدارس تعريفات المتصوفة الأولين، المؤسسين، منذ بداية التصوف، وحتى منتصف القرن الخامس (200-440هـ) ، يلحظ خلوها من ذكر الصوف، إلا تعريفا يتيما من بين حوالي ثمانين تعريفا، ذكره الهجويري نقلا عن الجنيد قال:

"التصوف مبني على ثمان خصال: السخاء، والرضا، والصبر، والإشارة، والغربة، ولبس الصوف، والسياحة، والفقر" (1) .

ولم يذكره القشيري في رسالته، ولم ينقله نيكلسون في بحث له، جمع فيه تعريفات التصوف، من كلام الصوفية، ينقلها من: تذكرة الأولياء للعطار، ونفحات الأنس للجامي، والرسالة للقشيري. (2)

في فلو كانت النسبة صحيحة، فلم أعرضوا عن ذكرها في هذه التعريفات..؟!.

ولا يعترض على هذا: بأن التعريفات تبلغ الألف، والألفين. فإن هذا قد قيل، لكن عند البحث عنها، لا نحصل من العدد سوى ما ذكر، مما يبلغ المائة، على أكثر تقدير.

فإن قال قائل: فما تقول في هذه التعريفات المنقولة عن أئمة التصوف في نسبة التصوف إلى الصوف، وهي موجودة في كتب التصوف، فمن ذلك: ما جاء في كتاب"اللمع" (3) للطوسي، حيث قال:"باب الكشف عن اسم الصوفية، ولم سموا بهذا الاسم، ولم نسبوا إلى هذه اللبسة"، أليس في هذا نقض دعوى أن التعريفات خالية من كلمة"الصوف"؟.

فالجواب أن يقال: فرق بين التعريف والتفسير والتعليل..!.

(1) - كشف المحجوب، القشيري، 1/235.

(2) - في التصوف الإسلامي وتاريخه، نيكلسون، ص28-41.

(3) - ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت