عند تعريف التصوف، في جواب: ما التصوف؟.لم يذكروا كلمة"الصوف"إلا مرة.
أما عند التعليل في جواب: لم سموا صوفية ؟. فقد ذكرت طائفة منهم النسبة إلى الصوف.
فالتحقيق المذكور في هذا البحث دقيق؛ فإن التعريفات التي وردت على لسان الأئمة المتقدمين في التصوف، والتي جمعت في كتب الصوفية المتقدمة، تحت عناوين مثل: باب التصوف (= الرسالة للقشيري) ، قولهم في التصوف (= التعرف للكلاباذي) ، ماهية التصوف (= عوارف المعارف للسهروردي) ، باب التصوف (=كشف المحجوب للهجويري) : خلت من ذكر كلمة"الصوف".
إذن.. بطلت المقدمة الأولى.
مناقشة المقدمة الثانية: لبس الصوف هو الزهد.
المقدمة الثانية تقول: لبس الصوف هو الزهد.
فيقال فيها: ليست هذه قاعدة يستند إليها. فقد يلبس الغني الصوف، وقد يلبسه الفقير..
وقد يلبسه أحدهم من غير تقصّد رهبانية، أو زهد، أو فقر..
قد يلبسه الفقير غير الزاهد؛ لأنه لا يجد غيره، وقد يلبسه الزاهد أيضا.
فهذه الأحوال كلها واقعة بالاتفاق، لا يمكن إنكارها، وعليه: فلا يصح الإطلاق بأن لبس الصوف علامة الزهد؛ إذ إن استخراج الحكم أو القاعدة لا يأتي إلا من طريق الاختصاص. ولا اختصاص هنا، فلبس الصوف لم يكن خاصا بالزهاد.
وإذا قيل: فهذا حال أغلبهم، يلبسون الصوف.
قيل: كلا، لا نسلم بهذا: وهؤلاء الأنبياء أعظم الزهاد، لم يكونوا يخصون الصوف باللبس، ولا تميزوا به، بل لبسوه ولبسوا غيره.. ومثلهم الصحابة رضوان الله عليهم. (1)
ولو فرض جدلا التسليم بهذا؛ فإن التسليم بهذه المقدمة غير مفيدة في تحصيل النتيجة: أن التصوف هو الزهد. بعد أن بطلت المقدمة الأولى؛ لأن المطلوب لصحة النتيجة: صحة المقدمتين معا. حيث إنها بنيت عليهما، لا على واحد منهما.
(1) - انظر: زاد المعاد لابن القيم، 1/135-147.