ويضاف إلى ذلك: أن النتيجة نفسها: التصوف هو الزهد. معترض عليها، والمعترض عليها هم المتصوفة، هم الذين رفضوا تعريف التصوف به، وإن قال به بعضهم..!!.
فالمقدمتان باطلتان في نظر طائفة من المتصوفة، ونتيجتهما باطلة عند المحققين من المتصوفة وغيرهم؛ فكثير من المتصوفة يرجعون بالتصوف إلى معنى الزهد؛ ويعللون ذلك:
أن الصوفية لما رأوا إقبال الناس على الدنيا: آثروا الزهد فيها.
وهذا فيه نظر..!!، فإنه بالنظر إلى تاريخ التصوف: نجد أن ظهوره ابتدأ في نهاية القرن الثاني. وإقبال الناس على الدنيا بدأ في عهد عثمان رضي الله عنه، في منتصف القرن الأول، وعليه: فإن ردة الفعل جاءت بعد مائة وخمسين عاما.. وهذا بعيد، وتحليل متكلف.
وحين تتبع معنى الزهد في كلمات المؤسسين للمذهب، نلحظ أمرا يلفت النظر:
لا نجد فيها ذكرا لكلمة"الزهد"..؟!!.
ومعلوم أن المعرِّف لمصطلح ما؛ جديد غير معروف: يحرص كل الحرص، على أن يستل من اللغة الكلمة الأوفق، والأوضح.
فإذا كان كذلك، فلم أعرضوا عن كلمة"الزهد"، واستعاضوا عنه بعبارات من قبيل: إيثار الله.. قلة الطعام.. الفقر..؟!..
هل غابت الكلمة عن قاموسهم ؟!..
كلا، بل حاضرة، لكن لما لم يكن حقيقة التصوف هو الزهد: أعرضوا عنه. فإعراضهم لم يكن عفوا، بل قصدا وعمدا، وقد فهم من بعدهم هذه الإشارة، فورد التصريح منهم بمنع اختصاص التصوف بالزهد:
قال شهاب الدين السهروردي:"التصوف غير الفقر، والزهد غير الفقر، والتصوف غير الزهد، فالتصوف: اسم جامع لمعاني الفقر، ومعاني الزهد، مع مزيد أوصاف وإضافات، لا يكون بدونها الرجل صوفيا، وإن كان زاهدا فقيرا" (1) .
فالتصوف لا يختص بالزهد، ولا الزهد هو التصوف، وهكذا قال أيضا:
(1) - عوارف المعارف، ملحق بالإحياء، السهروردي، 5/79.