وفي ثالثة قالوا: أخلاق الله تعالى. مصرحين بالاسم الخاص.
وفي تعريف الجنيد: وصف لمحتوى هذه العملية: أنها عملية بدلٍ، وليست تبادل، فالمحب يستبدل صفات المحبوب بصفاته؛ بمعنى أنه يترك صفاته ويتخلص منها، ليتلبس بصفات محبوبه، ويتخلق بها. والمحب هنا هو الإنسان، والمحبوب هو الله تعالى.
فهاهنا أمران، احتوتهما هذه التعريفات:
الأول: اكتساب الإنسان صفات الله تعالى (= أخلاقه. بتعبيرهم) . أو تركه صفاته، واكتسابه صفات الله تعالى.
الثاني: أن هذه العملية الاكتسابية، التخلقية، الاستبدالية: عملية كاملة كلية، ليست ناقصة جزئية.
هذا المعنى هو الجديد الملاحظ في هذا التفسير؛ ولذا تقدم أنه ليس مجرد تخلق، أو خلق.
فمجرد التخلق والخلق أمر مألوف، معروف. أما هذه المعاني الزائدة، ففيها من الغرابة، وحتى النزاع ما لا يخفى. وهذا الاعتراض نلخصه فيما يلي:
أولا: قولهم:"أخلاق الله"، مصطلح جديد، منسوب إلى الشريعة، لم يعرف قبل المتصوفة، الذين انفردوا به، فالمعروف استعمال مصطلحات من قبيل: أسماء الله، صفات الله. وهي قرآنية المورد والمصدر. تتضمن معاني لائقة بالله تعالى. أما هذا فلا يمتاز بذلك، بل هو منتزع من قول الفلاسفة، بالتشبه بالإله على قدر الطاقة. (1)
ثانيا: أن التعبير عن الأوصاف الإلهية بالأخلاق فيه محذور، هو: أن الأخلاق، أحوال مكتسبة؛ فالمتخلق مكتسب للأخلاق، هذا هو المعنى الغالب عليه، وعليه فلا يليق أن ينسب إلى الله تعالى؛ لأن أوصافه ذاتية، غير مكتسبة.
ثالثا: أن هذا المصطلح يفيد: أن بقدرة الإنسان تحصيل جميع الأوصاف الإلهية اتصافا، أو تخلقا، بحسب تعبيرهم، ليس فيه قيد، ولا تخصيص، ولا تحديد، بل إطلاق وتعميم. والمحذور في هذا لا يخفى؛ فإن أوصاف الله تعالى على ثلاثة أنواع من جهة اتصاف العبد:
نوع في قدرة الإنسان الاتصاف بمعناها، دون مماثلة، ويحمد عليه، مثل الرحمة.
(1) - انظر: التعريفات ص73، بدائع الفوائد 1/164.