فهرس الكتاب
والأغرب من ذلك أن المتأخرين ممن ألف في أصول الفقه من علماء الشيعة قد أخذوا بهذه المرويات بدون تحقيق في مضامينها ولا تمحيص لأسانيدها وعلى أساسها قالوا: بأن المرويات المتعلقة بالسنن كالتي تجري على ألسنة الوعاظ وغيرهم سواء كانت من نوع المسانيد أو المراسيل يمكن إعطاء مضامينها حقه من الرجحان أو الاستحباب حتى ولو لم تكن صادرة عن المعصوم!!
ولكن الأخذ بها يتوقف على صدورها عن النبي أو الإمام (ع) ، وقد ذكرنا أن أسانيدها لم تتوفر فيها الشروط المطلوبة وأنها من صنع القصاصين والوعاظ ليؤكدوا بها مروياتهم في الترغيب والترهيب التي يستدرُّون بها عطف الناس وهباتهم، وعلى تقدير صحتها فالبلوغ الذي أرشد النبيُّ أو الإمام إلى الأخذ به هو البلوغ الذي تطمئن إليه النفس كما ذكرنا، أقول ذلك في حين أني لا أستبعد بعض مرويات القصاصين والوعاظ وغير الموثوقين وإن لم تكن مستوفية للشروط المطلوبة في الراوي والرواية، إذ ليس كل ما يرويه غير الموثوق في دينه مكذوبًا لجواز أن يصدق الكاذب أحيانًا، ولكن الذي أدَّعيه أن الأخذ بجميع مروياتهم واعتبارها في مستوى الصحيح ولو من حيث ترتيب الآثار عليها كما هو المستفاد من أخبار"مَنْ بَلَغَهُ ..."مع العلم بأن أكثرها مكذوبة عليه أو مبالغ فيها بنحو لا يستسيغه العقل ولا يقره منطق الشرائع والأديان، جعلُها في هذا المستوى يُشَجِّعُ الكذبة والمرتزقة من الوعاظ على المتاجرة بالدين واستغلال المستضعفين، وفي الوقت ذاته ربما يَحْذَرُ السامع عن العمل ويبعث في نفسه روح الاتكال على الثواب الموعود به عندما يسمع أن الدمعة التي لا تزيد عن جناح بعوضة إذا خرجت من عينه حزنًا على ما أصاب أهل البيت (ع) يغفر الله له بسببها جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر كما جاء في رواية علي بن إبراهيم عن الإمام جعفر بن محمد - عليه السلام - .