فهرس الكتاب
ورغم أنّ حال كاتب هذه السطور بعد السجن والأوضاع الحالية التي أصبحتُ فيها لا تسمح لي بمزيد من التفصيل، إلا أنني أرى من الضروري، أداءً لواجبي الديني وإتمامًا للحجة على إخواني في الدين أن أتكلّم في هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلًا لأن المسترزقين من الخرافات والمتعصّبين المذهبيين يحاولون أن يفسِّروا آيات القرآن الكريم على نحو مقلوب وبالمغالطة، ويلوون عنق الآيات ليجعلوها تدل على ما يذهبون إليه من أهداف مذهبية! من ذلك مثلًا أنهم يقولون:
"كلنا نعلم أن حضرة يعقوب - عليه السلام - بكى بكاءً شديدًا على إثر فراقه لابنه الحبيب إلى درجة أن بَصَرَهُ كُفَّ في آخر عمره. وبعد سنوات طويلة جاء البشير بخبر يوسف وأمر يوسف إخوته أن يلقوا بقميصه على وجه أبيه كي يرتد بصيرًا. يقول القرآن في هذا الأمر: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف/93] . فجاء البشير وألقى القميص على وجه يعقوب فعاد إليه بصره على الفور كما قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف/96] ."
هنا يجب أن نرى: ما علة عودة البصر ليعقوب؟ هل كان ذلك عمل الله المباشر ولم يكن لإرادة يوسف ورغبته أي تدخّل في الموضوع؟ أم أنّ عودة البصر كانت معلولة لإرادة يوسف ورغبته، أي كان يوسفُ قادرًا، استنادًا إلى تجلي القدرة التي اكتسبها من منبع القدرة، أن يفعل مثل ذلك الفعل بإذن الله؟ إن الاحتمال الأول ضعيفٌ جدًا ولا أساس له، لأنه إذا قلنا إن شفاء يعقوب كان عمل الله المباشر، لم تكن هناك حاجة إلى أن يأمر يوسف إخوته أن يلقوا بقميصه على وجه أبيه كي يرتدَّ بصيرًا، كما لم تكن هناك ضرورةٌ أن يعمل البشير بما أمره به يوسف وأن يلقي بالقميص على وجه الأب، بل كان يكفي أن يدعو يوسفُ اللهَ ويستجيب اللهُ دعاءَه.