فهرس الكتاب
إن «الإذن الخاص» الذي ترتبط به المعجزات غير «الإذن العام» ، وليس للنبي أي تدخل في استخراجه «الإذن الخاص» ولا يمتلكه تمامًا كما لا يمتلك الوحي الذي ليس للنبي ? تدخلٌ فيه لا تنزيلًا ولا مضمونًا، لهذا السبب نرى أن حضرة عيسى لا يتحدى بالعصا التي تتحول إلى ثعبان ولا بالإنجيل، وأن حضرة موسى لا يعلَم لغة الحيوانات ولا يشفي الأكمه (أي أعمى الولادة) ، والنبي الأكرم أيضًا لا يفلق البحر فلقتين ولا يخرج يده بيضاء من غير سوء ولا يتكلَّم في المهد.
الآيات التالية تبين لنا «الإذن الخاص» : {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ} [الرعد/38 وَغافر/78] ، و {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ} [إبراهيم/11] . (والكلام ورد على لسان الأنبياء)
لا شك أنه ليس المقصود من الإذن في هذه الآيات «الإذن العام» لأن الإذن العام لا يختص بالرسل دون غيرهم، وسيكون من اللغو القول إن الأنبياء أيضًا لا يمكنهم أن يصنعوا الآيات دون إذن الله لأن غير الرسل أيضًا ينطبق عليهم هذا الأمر بالضبط. والملائكة يشملهم هذا الحكم أيضًا. بل المراد في تلك الآيات الإذن الخاص، وفي الواقع إن الآية مخالفة تمامًا لمشرب الخرافيين وميلهم، فهي تقول إن الدرجات المعنوية والقوة الروحية الباطنية للنبي لا دخل لها في الإعجاز بل فعل المعجز يحتاج إلى الإذن الإلهي الخاص. بل إن الله تعالى أمر رسوله صراحةً أن يقول: لو كنت أملك علم الغيب أو أملك القدرة على صنع المعجزة لاستخدمت تلك القدرة قطعًا، كما نقرأ هذا المعنى في الآية 188 من سورة الأعراف التي مرت معنا قبل عدة صفحات، وكما تقول الآية التالي: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام/58] .