فهرس الكتاب
حتى لو قبلنا حديث «الثقلين» على ذات النحو الذي يُحبُّه فقهاء الإمامية، فإن هذا الحديث لا يُفيد ذلك المعنى الذي يرى أنه يجب أخذ الفقه الإسلامي من طريق أهل البيت فقط، لأن القرآن المجيد يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة/122] .
فهذه الآية المُباركة تُبيِّن بصراحة تامة أن فقه الإسلام لم يكن ينتشر ويُروى للناس من طريق أهل البيت فقط، بل كان التعرُّف على أحكام الدين والتعلُّم من النبيّ الأكرم ?مُتاحًا للآخرين أيضًا وكانت تأتي إلى المدينة جماعات مُختلفة من الناس - لم يكونوا معصومين- وكانوا يتفقَّهون في الدين ويُصبحون من أصحاب العلم به ويُصبح من الواجب عليهم بعد عودتهم إلى أقوامهم أن يُعلموهم علم الدين الذي تعلموه. فالقرآن الكريم إذن لم يعتبر التفقه في الدين والرجوع المُباشر إلى القرآن والسنة واستمرار دعوة الإسلام والتعليم والتعلم مُنحصرًا و مختصًّا بجماعة خاصة، ولم يعترف بوجود واسطة بين الناس والشريعة سوى واسطة النبيّ ?.
علاوةً على ذلك، فإننا نقرأ في التاريخ أن رسول الله ? كان كثيرًا ما يُرسل أصحابه إلى الأقوام المُختلفين لتعليمهم الدين وأحكام الإسلام. وإرسال «معاذ بن جبل» والآخرين، ومن جملتهم تلك الجماعة الكبيرة التي أرسلها رسول الله ? إلى مناطق بعيدة لأجل تعليم الدين وأحكام الإسلام فقُتلت على أيدي المُشْرِكين في الحادثة الشهيرة بحادثة «بئر معونة» والجماعة الذين قُتلوا في حادثة «الرجيع» أمورٌ معروفة ومشهورة في تاريخ الإسلام ولا مُنكِر لها.