ويظهر أن أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام هو الإمام جعفر الصادق (1) ، فإنه كان من أوسع الناس علمًا واطلاعًا، عاش من (سنة 38هـ إلى سنة 148هـ) ، وقد لقب بالصادق لصدقه. وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق فأثر ذلك في اعتداله، وقد نفعه أنه رأى من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها. قال فيه الشهرستاني، وهو غير شيعي: وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم. ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدًا في الخلافة، ثم غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ، وقد قيل: من أنس بالله توحّش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس.
وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر، ومع ذلك لم يسلم من إيذاء أبي جعفر المنصور له، وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس على اختلاف مذاهبهم. ويروون أنه كان من تلامذته أبو حنيفة ومالك بن أنس الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض الناس ينكر هذا.
وله أقوال في الإرادة وفي القدر كقوله في الإرادة: «إن الله أراد بنا شيئًا وأراد منا شيئًا، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟» وقال في القدر: «هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض» ، وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيرًا كما رأينا. وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب تدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه.
(1) هذا ليس صحيح ، فالإمام جعفر الصادق كذب عليه الشيعة الكثير الكثير من الروايات ، ومنها هذا الغلو في الإمام. الراصد.