فهرس الكتاب
فأما الفقراء والمساكين فلا بد من بلوغ حدٍّ فاصلٍ يميزهم، بحيث يعتبر من كان دونه فقيرًا أو مسكينًا، ويكون من تجاوزه مكفيًا أو غنيًا؛ لأن"كل من يملك أقل من الكفاية يطلق عليه فقيرٌ أو مسكينٌ" [1] ، وهذا الحد هو الذي سماه الفقهاء حد الكفاية أو حد الكفاف أو حد الغنى؛ ولم يختلفوا حول وجوده، وإنما اختلفوا حول ضابط تحديده، وسيتم بسط ذلك في محله.
وأما العاملون عليها فاختُلف فيهم، فقال بعض الفقهاء إنه يشترط فيهم ألا يكونوا أغنياء، وأما الأغنياء منهم فلا يستحقون هذا السهم، وقد روى مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة، فلما قدم سأله إبلًا من الصدقة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، وكان مما يعرف به الغضب في وجهه، أن تحمر عيناه، ثم قال:"إن الرجل ليسألني ما لا يصلح لي، ولا له، فإن منعته كرهت المنع، وإن أعطيته أعطيته ما لا يصلح لي ولا له"، فقال الرجل: يا رسول الله، لا أسألك منها شيئا أبدا [2] ، فاستدل بهذا من منع أخذ الصدقة على العامل الغني، مستندين إلى إنكار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على من استعمله لجمع الزكاة، قال ابن عبد البر رحمه الله:"لأن الأشهل الأنصاري سأله عن الصدقة ما استحقه بعمالته عليها، وكان غنيًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعرف حد الغنى عند نفسه، فسأل ما يظنه حلالًا له، فأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بان له به علم ما يحل له من الصدقة الواجبة فكف عن ذلك" [3] .
(1) أحكام الزكاة واثرها المالي والاقتصادي لأحمد يوسف، ص 39.
(2) الموطأ للإمام مالك، 2/ 1000.
(3) الاستذكار لابن عبد البر، 8/ 615.