فهرس الكتاب
وذهب آخرون إلى أن استحقاق العاملين على الزكاة هو مقابل العمل والخدمة التي يقدمونها، ولا علاقة لذلك بالغنى والفقر، فهذا النصيب يحل للعامل عليها وإن كان غنيًا؛ لأن ما يستحقه ليس بطريق الصدقة وإنما بطريق العمالة، على قدر عمله وأجرة مثله [1] .
وكذلك اختلفوا في الغازي في سبيل الله، فأجاز له الجمهور أخذ الزكاة والاستعانة بها في غزوه، وإن كان غنيًا، ومنع الحنفية من ذلك إلا عند اعتبار حدوث الحاجة؛ لأن الزكاة لا تجوز لغني [2] ، ورد الجمهور بأنه لا يُشترط الفقر في الغازي؛ لأن القرآن لم يَشترِط فيه الفقر، ودلت السنة على أنه يستحق الزكاة مع الغنى، فلم يبق ما يوجب هذا الاشتراط، بل هو مجرد رأيٍ بَحتٍ؛ فيصرف إليه ما يحتاجه في الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة وإن بلغ أنصباء كثيرةً [3] ، قال ابن المنذر: وأما قول أبي حنيفة لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجًا، فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة" [4] ."
ولعل الكلام نفسه ينطبق على الغارم وعلى المؤلفة قلوبهم وعلى ابن سبيل، فذهب الجمهور إلى أنهم يستحقون سهم الزكاة وإن كانوا أغنياء، وقال فريق آخر إن ذلك لا يجوز؛ لأن علة منع استحقاقهم الزكاة واحدةٌ وهي الغنى.
فالمانعون من أخذ الزكاة في هذه الأصناف إنما منعوهم في حالة كونهم أغنياء، والمجيزون أجازوا بحجة أن الفقر ليس هو المناط في استحقاقهم للزكاة، وإنما فرضت لهم لأن الشارع لاحظ فيهم مصالح ومعاني أخرى، قال
(1) انظر: معالم السنن للخطابي، 2/ 64، مرعاة المفاتيح للمباركفوري، 6/ 242.
(2) بدائع الصنائع للكاساني، 2/ 46.
(3) السيل الجرار للشوكاني، ص 253.
(4) مرعاة المفاتيح للمباركفوري، 6/ 236