فهرس الكتاب
المطلب الرابع: أثر تغير حد الكفاية في استحقاق الزكاة.
استخلصنا أن ضابط حد الكفاية هو العرف؛ إذ الذي يعد فقيرًا في زمان ومكانٍ معينين، يعتبر غنيًا في ظروف أخرى، رغم سواسية الممتلكات في الحالين؛ لأن الشخص الذي يملك مسكنًا عاديًا وراحلةً قد يعتبر مكفيًا في باديةٍ؛ لكن هذا لا يحقق له أدنى مستويات العيش لو كان في الحاضرة؛ ومن ثم، يمكن التعبير بتغير حد الكفاية، مثلما نعبر بتغير الفتوى، بل إن الحكم على الكفاية يدخل في تغير الفتوى، فقد يفتي المفتي بعدم توفر الكفاية لشخصٍ في ظرفٍ، ويغير فتواه للشخص نفسه إذا ما تبدل الحال، ولذلك يقول ابن عبد البر رحمه الله:"والأوقية أربعون درهمًا، وهي بدراهمنا اليوم ستون درهمًا أو نحوها" [1] ، وقال العيني رحمه الله:"قوله:"ما يغديه ويعشيه"اختلف الناس في تأويله" [2] . كل هذا ينبئ عن تغير حد الكفاية حسب الأحوال والعوائد، مما يستدعي اجتهادًا لمعرفة المستحقين، وتحديد من تجاوز حد الكفاية ومن هو دونه.
ولنا أسوةٌ في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، لما أتاه رجلان في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما البصر وخفضه، ولما
(1) التمهيد لابن عبد البر، 4/ 96.
(2) شرح أبي داود للعيني، 6/ 365 - 366.