فهرس الكتاب
رآهما جَلدين، قال:"إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسب" [1] . فالنبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في هذه الحال في حد الكفاية، إذ إن العرف قائمٌ على أن القوي قادرٌ على العمل، والعمل يجلب الكسب، والكسب يحقق الكفاية؛ لكن العرف يقضي أيضًا بأن هناك حالاتٍ تتسم بالقوة والقدرة على الكسب، لكنْ لا تحصل على العمل أو تحصل عليه ولكن لا تتحقق لها الكفاية؛ بل قد يكون عند الرجل ممتلكاتٌ تجب فيها الزكاة كالأنعام، في حين أنه غير مكفيٍّ؛ لأنه لا يملك مالًا يكفي لإطعامها وإطعام من يعوله، ولو باعها لما حل المشكل بسبب رخص ثمنها في السوق مثلًا، وفي هذا يقول أبو الحسن المباركفوري:"وقد بينا أن الغنى يختلف مسماه، فيقع على ما يوجب الزكاة وعلى ما يمنع منها، فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدم الآخر، فقد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقيرٌ، ويكون له أربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ وفي ذلك قول عمر أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا، وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة؛ لأنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه فجاز له الأخذ من الزكاة، ولأن الفقر عبارة عن الحاجة" [2] .
وعليه فإن حد الكفاية متغيرٌ، وبتغيره يتغير معيار الاستحقاق، ولذلك استفسر النبي صلى الله عليه وسلم الشابين، فكأنه اعترض على إعطائهما في بادئ الأمر بسبب ما يظهر عليهما من حصول الكفاية، ثم أعطاهما لِما بدا له
(1) سنن النسائي، كتاب الزكاة، مَسْأَلَةُ الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ، 5/ 99. سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة، وحدُّ الغنى، 3/ 75. صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/ 299.
(2) مرعاة المفاتيح للمباركفوري -بتصرف-، 6/ 231.