فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 51

من اعترافهما أنهما لا يتوفران عليها، قال الخطابي رحمه الله:"هذا الحديث أصلٌ في أن من لم يعلم له مالٌ فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون أن يضم إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة بدلالة الحديث، وقد استظهر صلى الله عليه وسلم مع هذا في أمرهما بالإنذار وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما" [1] .

وفي هذا أيضًا حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحل الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرةٍ [2] سويٍّ" [3] ، وهذا الحديث مقيدٌ بقوله صلى الله عليه وسلم:"ولا لقوي مكتسب"، فنقول -جمعًا بين الحديثين- إن الزكاة لا تعطى للأقوياء القادرين على العمل إلا إذا كانت بطالتهم لسببٍ خارج عن إرادتهم، كالبطالة الإجبارية الناجمة عن الكساد الاقتصادي وشح الوظائف [4] .

فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب، أي كسب قدر الكفاية [5] ، ولما تغيرت ملابسات تحديد الكفاية، وخالف الظاهر ما عليه واقع الحال في الشابين حُكم لهما بالاستحقاق، وهذا فقهٌ استشرافيٌّ منه صلى الله عليه وسلم، يظهر أثره في زماننا؛ الذي لم تعد فيه القوة وإمكانية الكسب حاكمين في حد الكفاية؛ لأننا

(1) معالم السنن للخطابي، 2/ 62 - 63.

(2) المِرة هي القوة وشدة العقل.

(3) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة، وحدُّ الغنى، 3/ 76. سنن الترمذي، كتاب الزكاة، بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ، 2/ 35. سنن ابن ماجه، أبواب الزكاة، بَابُ مَنْ سَأَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنى، 3/ 47. صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، 2/ 1214.

(4) النظام العالمي للزكاة لمحمد عشيمق -بتصرف يسير-، ص 148.

(5) راجع: نيل الأوطار للشوكاني، 4/ 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت