فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 51

إذن حد الكفاية يتغير بحسب الحاجات، فقد يملك شخصٌ أضعاف النصاب؛ لكنه يعاني من كثرة المصاريف، لكثرة عيالٍ أو لمرضٍ أو حاجةٍ لكتب علمٍ، فيكون بذلك محتاجًا، بينما لا يبلغ جاره النصاب ويكون مكفيًا؛ لأن مخرجات النفقات عنده أقل من مداخيله، وقد روي عن الشافعي أن الرجل قد يكون غنيًا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله [1] ، فلما تغيرت المدخلات والمخرجات تغيرت الكفايات، وتبعها تغير الاستحقاقات، قال عبد الرؤوف المناوي رحمه الله:"وحكم الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فرب من يعتاد الأكل كل أسبوع مرةً، فكفافه تلك المرة، ورب من يأكل في يومين مرة أو مرتين، وكفافه ذلك؛ لأنه إن ترك، ضره وضعف عن العبادة، ومنهم من تكثر عياله فكفافه ما يقوم بهم على الوجه اللائق، فقدر الكفاف غير معينٍ ولا محدودٍ" [2] .

هذه المتغيرات كلها، تحمل دافع الزكاة أو المكلف بها على ضرورة التحري، والاجتهاد، والاستشارة؛ لمعرفة حال الجهات المحتاجة، وهل فعلًا تخلف فيها حد الكفاية أم لا، وهل تستحق الزكاة أم لا؟ وقد يلام المجتهد على ذلك من طرف المحتاجين، كيف لا وقد ليم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر رحمه الله:"وأما قول الرجل فيه والله إنك لتعطي من شئت [3] ،"

(1) معالم السنن للخطابي، 2/ 57. التمهيد لابن عبد البر، 4/ 104، نيل الأوطار للشوكاني، 4/ 190.

(2) فيض القدير للمناوي، 3/ 472.

(3) عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: نزلت أنا وأهلي، ببقيع الغرقد فقالت لي أهلي: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسله لنا شيئا نأكله، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده رجلا يسأله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"لا أجد ما أعطيك"، فولى الرجل عنه وهو مغضب، وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه ليغضب علي أن لا أجد ما أعطيه، من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا"، قال الأسدي: فقلت للقحة لنا خير من أوقية، والأوقية: أربعون درهما، فرجعت، ولم أسأله، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، شعير، وزبيب، فقسم لنا منه حتى أغنانا الله عز وجل. سنن النسائي، كتاب الزكاة، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ وَكَانَ لَهُ عَدْلُهَا 5/ 98. سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة، وحدُّ الغنى، 3/ 70. قال الألباني رحمه الله:"وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر"، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، 4/ 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت