فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 51

ولهذا وجب الاجتهاد في اكتشاف المتعففين، مثلما يُجتهد في التحري عن أحقية السائلين؛ فلا يُكتفى بمجرد حد الكفاية الظاهر؛ بل هناك حد كفايةٍ باطنٍ، لا يُعرف إلا بالسبر والتتبع؛ لاستخراج أناسٍ بالمناقيش، يظهر عليهم الغنى وهم محتاجون. مما يقتضي تغليب حسن الظن بالناس، مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الشابين، وفي هذا الصدد علق الشوكاني على حديث:"للسائل حق وإن جاء على فرس" [1] ، فقال كلامًا نفيسًا نصه:"فيه الأمر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال، فلا يقابله بسوء الظن به واحتقاره؛ بل يكرمه بإظهار السرور له، ويقدر أن الفرس التي تحته عاريةٌ، أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغنى، كمن تحمّل حمالةً، أو غرم غرمًا لإصلاح ذات البين" [2] .

ومثلما يجب حسن الظن، فإنه يجب الاحتياط ومراعاة تغير الأحوال، حتى لا يتسلم الزكاة من لا يستحقها، فلا بد من التثبت والاستيثاق من حال طالب الزكاة أو المرشح لها، عن طريق من يعرفه من العدول الثقات في أقاربه أو جيرانه، ولا ريب أن أهل كل قرية أو بلد أدرى بذوي الحاجة والعوز بينهم، وأعرف بمدعي الفقر والمتظاهرين بالمسكنة كذبًا واحتيالًا على الناس؛ لأن الجاهل كثيرًا ما يغتر بالظاهر والسطح، ولا ينفذ إلى الأعماق، ليتبين

(1) سنن أبو داود، كتاب الزكاة، باب حق السائل، 3/ 98. ضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، 3/ 558. وقد سقته في هذا الموطن للاستفادة من كلام الشوكاني بغض النظر عن حكم الحديث.

(2) نيل الأوطار للشوكاني، 4/ 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت