فهرس الكتاب
والواقع أن توحيد الفتاوى أمرٌ عسيرٌ، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى التحجير، فديننا دين سعةٍ، واختلاف الفتاوى لم يسلم منه حتى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، لكن المطلوب هو ضبط الفتاوى والتنسيق بين جهاتها لتضييق الخلاف وتجنب تضارب الفتاوى والتناقض عند تطبيقها [1] .
المطلب الثالث: امتطاء الفتاوى في التحايلات الرقابية.
لقد استحدثت هيئات الرقابة الشرعية عقودًا وصيغًا جديدةً، منها ما هو من قبيل المخارج الشرعية المبنية على الاجتهاد القويم، ومنها ما هو تحايلٌ وتسترٌ محضٌ خلف الدين. فمثلا بيع المرابحة للآمر بالشراء يعتبر تطويرًا لعقد المرابحة المعروف في الفقه، ولقد قامت اللجنة الشرعية بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، بإنشاء نموذجٍ جديدٍ تحت اسم"عقد مواعدة منتهٍ بالبيع"يعالج في نظرهم كافة الاعتراضات الواردة على المرابحة للآمر بالشراء. كما استحدثت الفتاوى صيغًا وأساليب استثماريةٍ جديدةٍ تقوم على الربط بين أكثر من عقدٍ شرعيٍّ، كالربط بين السلم والاستصناع [2] .
وقد يفتي المفتي بفتوى، ثم يفتي بأخرى، وكذلك غيره، وتتراكم الفتاوى لتعطي مشهدًا شاملًا من الحيل، وإذا بالمصرف الإسلامي شبيهٌ بالمصرف التقليدي [3] ؛ وينتج ذلك أحيانًا عن الضغوط التي قد تمارسها إدارة المصرف على الهيئة لإباحة بعض التصرفات، معتمدةً على عدم إلمامها الكامل بدقائق المعاملات المصرفية، فتقوم مثلًا بصياغة السؤال بطريقةٍ مُلَبِّسةٍ، ثم تقدمه للهيئة التي تبيح المعاملة بناء على طريقة السؤال الذي تَلقَّته، في حين أن الواقع خلاف ذلك، لأنه لو أُلقي السؤال مطابقًا للحقيقة والواقع لَأَفتت بالحرمة [4] .
إن العملية المشروعة هي التي تتطابق مع أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها، لكن المحرم المردود هو إذا كان عمل المفتي مقتصرًا على البحث عن
(1) أسباب اختلاف فتاوى الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية، مرجع سابق.
(2) تقويم عمل هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الاسلامية، 2/ 150 - 151، مرجع سابق.
(3) اختبار الفتاوى المالية: هل المشكلة في الفتوى أم في التطبيق، مرجع سابق.
(4) البنوك الإسلامية، لجمال الدين عطية، ص 69 - 73.