في تقديري أن الضحية عانى من أمرين، ارتأيت تفصيلهما في الفرعين التاليين:
أولهما: التدليس، لأن البائع تظاهر أمامه بمظهر الصلاح، الذي زين به سلعته.
ثانيهما: الغَبْن [1] ، لأن البائع زاد عليه في الثمن بعدما دلس عليه.
الفرع الأول: التدليس.
إن المتظاهر بالتدين قد دلس على المتعاقد معه ليأكل ماله بالباطل، وما كان له ذلك إلا لأنه اطمأن لحاله وبنى على ما يظنه من الظاهر الذي لم يصفه الآخر بلسانه وذلك نوع من الغرور له والتدليس عليه [2] ، فكأن المدلس زين سلعته ورفع قيمتها بما أضفى عليها من الثقة التي حاز عليها بتدينه، فالتزيين هنا معنويٌّ وليس ماديًا، لأن السلعة نفسها يمكن أن يعرضها بائع آخر لم يتظاهر بالتدين ويبيعها بثمنها الفعلي، ولو تظاهر هو أيضًا بالتدين ولبَّس على المشتري لباعها بثمنٍ أعلى، وأما التدليس المادي فيكون محله السلعة نفسها، بحيث يقوم البائع بإظهارها بخلاف ما هي عليه حتى يزيد المشتري في ثمنها؛ ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ" [3] .
قال الخطابي رحمه الله:"وقد اختلف الناس في حكم المصراة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر قولًا بظاهر الحديث، وهو قول مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف برد قيمة اللبن، وقال أبو حنيفة إذا حلب الشاة فليس له أن يردها ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها" [4] .
الفرع الثاني: الغبن.
المُسْتَرْسِل هو الجاهل بالبيع الذي لا يعلم القيمة ولا يحسن المبايعة والمماكسة، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسةٍ، ولا معرفةٍ بغبنه [5] .
ومن صوره ما نحن بصدده من اطمئنان المشتري للبائع المتظاهر بالصلاح، فمَن كانت هذه حاله، يمكن قياسه على المسترسل لأنه إنما أقدم على العقد بذلك الثمن لما حصل في نفسه من الثقة التي استقرت عنده بناءً على ما رآه من صلاح البائع، فكأنه شرط عليه أنه سيشتري منه السلعة على ألا يزيد عليه لأنه اطمأن
(1) والغبن في البيع والشراء: الوكس، غبنه يغبنه غبنا هذا الأكثر أي خدعه، وقد غبن فهو مغبون، وقد حكي بفتح الباء «2» . وغبنت في البيع غبنا إذا غفلت عنه، بيعا كان أو شراء. لسان العرب، مرجع سابق، 13/ 310.
(2) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، 6/ 152.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 70. وأخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1159.
(4) معالم السنن، للخطابي، 3/ 113.
(5) المقدمات الممهدات، لابن رشد الجد، 2/ 139. والذخيرة، للقرافي، 5/ 160. والمغني، لابن قدامة، 3/ 498. والموسوعة الفقهية الكويتية، 3/ 296.