لمظهره كما قال ابن حجر:"والذي يظهر أنه [1] واردٌ مورد الشرط أي إن ظهر في العقد خداعٌ فهو غير صحيح كأنه قال بشرط أن لا يكون فيه خديعة أو قال لا تلزمني خديعتك" [2] . وقال القرافي رحمه الله:"وبيع الاسترسال والاستمانة فهو مع الجاهل بالبيع يقول: أعطوني بدينار كذا فيتقي فيه الغش والخديعة وكتمان العيوب ويرد بالغبن" [3] .
المطلب الثاني: الحكم الفقهي.
تَحصَّل من المطلب السابق أن المتضرر عانى من التدليس ومن غبن الاسترسال، ومن ثَمَّ يثبت له خيار التدليس أو خيار غبن المسترسل، ولبيان ذلك سطرت الفرعين المواليين:
الفرع الأول: خيار التدليس.
فإذا خَبَر المشتري التدليسَ عند العقد ورضي به فلا خيار له، وقد لزم البيع؛ ولكن إذا اكتشفه بعد العقد، فله إمساك المبيع بأرشه، وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب، كما له أن يرد المبيع ويفسخ البيع ويأخذ الثمن؛ هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إما أن يأخذه مجانًا وإما أن يرده، أما الأرش فلا بد من رضا البائع لأنه معاوضةٌ في عقدٍ جديدٍ [4] .
إن بائع المصراة قد دلس على المشتري بأنها كثيرة اللبن، فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين إمساك الشاة أو ردها على المدلس مع مقابلٍ لما حلبه، وتخريجًا على الحديث نقول بأن من اغْتَرَّ بتظاهر بائعٍ بالتدين فاشترى منه سلعةً بثمنٍ أكثر من قيمتها، فإنه مخيرٌ بين أن يمسك السلعة وبين أن يردها للمدلس ويسترجع ماله ما دامت السلعة قائمةً بذاتها.
وأما إن حصل لها تغيرٌ ورضي المشتري بإمساكها فذاكَ، وإن لم يرض وأراد ردها لصاحبها فالتغير على حسابه: فإن كان زيادةً فله، وإن كان نقصًا فعليه، ويرجع ذلك لأهل الخبرة الذين يُقَوِّمون السلعة بعد التغير: فإن زادت وردها المشتري للمدلس أخذ مقابل الزيادة، وإن نقصت ردها وأعطى مقابل النقص للبائع. ودليل ذلك أن السلعة لو تلفت لكان ضمانها على المشتري، فكذلك لو نَمَتْ لَكان النمو لصالحه، لأن الغرم بالغنم، والخراج بالضمان، قال السيوطي رحمه الله:"الخراج بالضمان حديث صحيح ... وفي بعض طرقه ذكر السبب. وهو أن رجلا ابتاع عبدا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى"
(1) يقصد قول:"لا خلابة، أي لا تخدعوني".
(2) فتح الباري، مرجع سابق، 12/ 336.
(3) الذخيرة، مرجع سابق، 5/ 160.
(4) راجع: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن العثيمين، 8/ 317 - 319.