فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 18

النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استعمل غلامي. فقال: الخراج بالضمان.

قال أبو عبيد: الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيبٍ دلسه البائع، فيرده، ويأخذ جميع الثمن. ويفوز بغلته كلها، لأنه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله، انتهى.

وكذا قال الفقهاء: معناه ما خرج من الشيء: من غلةٍ، ومنفعةٍ، وعينٍ، فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغلة له، ليكون الغنم في مقابلة الغرم" [1] ."

الفرع الثاني: خيار الغبن.

إن الغبن محرمٌ لما فيه من التغرير للمشتري [2] ، وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الخيار للمسترسل إذا غُبن غبنًا يخرج عن العادة [3] :

فعند المالكية والحنابلة: يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: غبن المسترسل حرام [4] .

وعند الشافعية، وفي ظاهر الرواية عند الحنفية: لا يثبت له الرد؛ لأن المبيع سليم، ولم يوجد من جهة البائع تدليس، وإنما فرط المشتري في ترك التأمل، فلم يَجُز له الرد.

وفي رواية أخرى عند الحنفية: أنه يفتى بالرد إن حدث غررٌ، وذلك رفقًا بالناس.

قلتُ: والراجح والله أعلم هو جواز الرد، لأن المسترسل لما عقد مع البائع كان ذلك على أساس سلامة الثمن والمبيع، فكأنما قال له لا تخدعني، فإنْ اطَّلعتُ على عيبٍ رجعتُ به؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لِلَّذي كان يُخدع في البيع:"إذا بايعتَ فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا" [5] ، قالوا: فموضع الدليل منه هو أنه كان يخدع في البيع، ومن كان يخدع في عقله بضعف يلحقه الغبن في عقوده، فجعل له النبي الخيار لما يلحقه من ذلك [6] ، وفي الحديث إثبات الخيار ثلاثة أيامٍ لمن يُخدع [7] . وقد أجمل ابن القيم رحمه الله الكلام حين قال:"الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يظهر صفة المبيع تارةً بقوله وتارةً بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفةٍ فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل؛ فإن المشتري إنما بذل"

(1) الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص: 135 - 136.

(2) الملخص الفقهي، لصالح الفوزان، 2/ 25.

(3) الموسوعة الفقهية الكويتية، مرجع سابق، 3/ 296.

(4) ضعيف جدا. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، للألباني، 2/ 118.

(5) أخرجه الدارقطني في"سننه"أن رجلا من الأنصار كان بلسانه لوثة، وكان لا يزال يغبن في البيع، وقد عمر عمرا طويلا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا، يتبايع البيع في السوق، ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا، فيلومونه، ويقولون: لم تبتاع؟! فيقول: أنا بالخيار إن رضيت أخذت، وإن سخطت ترددت، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. باختصار من سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مرجع سابق، 6/ 882.

(6) شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 6/ 245 - 247.

(7) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مرجع سابق، 6/ 884.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت