فهرس الكتاب
إفريقية فهي منطقة ساحلية مهددة من طرف الروم؛ مما دفع بعلماء المالكية الأفارقة لتقديم مبدإ الحرب الهجومية، كان هذا في عهد الدولة الأغلبية التي كان لهم معها مصالح؛ ولما حرموا من تلك الامتيازات في عهد الفاطميين، حولوا الجهاد إلى حرب موجهة ضد العدو الفاطمي الداخلي؛ ومن جهة أخرى فقد ركز مالك على الحرب البرية بينما اضطر علماء المالكية الأفارقة للاجتهاد في الجهاد في البحر [1] .
فتبين كيف أن المالكية اجتهدوا في نوازل بغير ما أفتى به إمامهم بسبب تغير الظروف التاريخية.
10 -يتحرك فقه النوازل بحركة المجتمع و الحضارة، فكلما تطور المجتمع تطور معه هذا النوع من الفقه، ففي عصر المرابطين كان اتجاه الفروع هو الغالب على فقه النوازل، حيث كان الاستدلال بأقوال أئمة المذهب وقلما يكون بنصوص الكتاب والسنة، وأما الدولة الموحدية فقد أحرقت كتب المذهب وشجعت على الاجتهاد والنظر، في حين أن الدولة النصرية عرف فيها فقه النوازل صبغة الفتاوى السياسية [2] .
لقد تأثرت مجالات الاجتهاد والنوازل تبعا لمناهج الدول الحاكمة، حيث طبع كل فترةٍ تاريخيةٍ ميادين اجتهاديةٌ معينةٌ، فرضتها البيئة الناتجة عن منهج حكم الدولة.
الفرع الثاني: أثر الظروف التاريخية على شخصية المفتي.
تتسم النوازل بالجِدَّة، لأن المفتين لا يكون لهم بها سابق عهد، فهم يجدون أنفسهم أمام حدثٍ جديدٍ ليس له نصٌّ مباشرٌ في الشرع، ولا سبَق أن طالتْهُ فتاوى السابقين؛ ومعلوم أن الناس طبائع، يختلفون في تعاملهم مع الجديد، والمفتون بشر لا يخرجون عن هذه الخاصية؛ أقصد أن شخصية المفتي تسهم في طريقة
(1) جوانب حضارية في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط من خلال كتب فقه المالكية، نجم الدين الهنتاتي، (مجلة التاريخ العربي: عدد 24، ابتداء من ص 205) .
(2) ملخص ما ذكره الأستاذ الدكتور توفيق الغلبزوري في ندوة وطنية بعنوان:"فقه النوازل في الغرب الإسلامي، تاريخا و منهجا"، نظمتها شعبة الدراسات الإسلامية ووحدة الدراسات المنهجية الشرعية في الغرب الإسلامي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم الأربعاء 18 ذي الحجة 1421 هـ / 14 مارس 2001 م.