فهرس الكتاب
تعامله مع النازلة، وليس معنى هذا أن هذه الشخصية تُسَوِّغ له إتباع الهوى، بل المقصود هو ما تُحْدِثه المؤثرات الشخصية في حدود التعامل الصحيح مع النصوص والشروط المرعية للفتوى.
ولذلك أثَّرت أحيانًا طبائع الصحابة على طرق الفتوى عندهم رغم لصوقهم بالدليل لصوقًا، حيث غلب الاحتياط على عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وغلب التيسير على عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، ومن ذلك ما رواه ابن خلدون حين قال:"وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدّين قبل الخلافة وبعدها، وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطّأ: يا أبا عبد الله، إنّه لم يبق على وجه الأرض أعلم منّي ومنك، وإنّي قد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنّب فيه رخص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر [1] ، ووطّئه للنّاس توطئة، قال مالك: فو الله لقد علّمني التّصنيف يومئذ" [2] .
وإذا كان لشخصية المفتي أثرٌ على طريقة تعامله الاجتهادي مع النوازل، فإن للظروف التاريخية التي يعيشها المفتي أثر على شخصيته، فالمفتي الذي يعيش في زمن كثرة الفتن يتأثر بها، ويجهز نفسه لإفتاء الناس فيها؛ والمفتي الذي يعيش في فترة الأمن والرخاء، يوطن نفسه على تثبيت الناس وزجرهم عن الإغراق في الدنيا وتذكيرهم بالزكوات وحقوق الله والعباد؛ وهكذا دواليك. كما أن ردود فعل المفتين عند تعرضهم للإسكات وتكميم الأفواه تكون مختلفةً: فمنهم من يصدع بالحق ولا يأبه بالعواقب، ومنهم من يختار السكوت أو الإسرار بالحق خوفا على نفسه، ولا يستلزم ذلك الجبن والخنوع، بل قد يكون من باب الموازنة والمداراة؛ هذا التباين في التصرف إزاء النوازل مرده إلى تباين في شخصية المفتين تَوَلَّد عن ظروفٍ تاريخيةٍ معينةٍ تمثلت في الإكراه والإيذاء، كما روى الذهبي رحمه الله - باختصار وتصرف-: امتحن المأمون سبعة أنفُس بخلْق القرآن منهم يحيى بن مَعِين، فتوقّفوا أولًا، ثم أجابوه تَقِيّةً؛ فكان يحيى بن مَعِين وغيره يقولون: أَجَبْنا خوفًا من السيف. ثم أمر بإحضار من امتنع ومنهم أحمد بن حنبل، فَعَرَّضوا ووَرَّوْا ولم يُجيبوا ولم يُنكروا، ثم توصل المأمون بجواباتهم فكتب لنائبه على بغداد إسحاق الخزاعي ما يلي:"بَلَغَنا ما أجاب به مُتَصَنِعَةُ أهل القِبْلة، وملتمسو الرئاسة،"
(1) وفي رواية القاضي عياض:"واقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة". ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض، 2/ 73، تحقيق: عبد القادر الصحراوي، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، الطبعة الثانية 1421 هـ - 2001 م) .
(2) تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون، 1/ 24، تحقيق: خليل شحادة، (دار الفكر، بيروت-لبنان، 1408 هـ - 1988 م) .