فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 52

نوازل لم يجدوا لها حكما في الكتاب والسنة ولا في اجتهادات أئمتهم، خرَّجوا تلك النوازل على تلك الاجتهادات، فبحثوا في أقوال أو أفعال أو تقريرات الأئمة عما يسعفهم في استنباط الأحكام للنوازل التي حلت بهم، وهذا هو تخريج الفروع على الفروع، وقد عرفه يعقوب الباحسين تعريفا طويلا بقوله:"هو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية، التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم، عند اتفاقهما في علة الحكم، عند المخرج أو بإدخالها في عمومات نصوصه أو مفاهيمها، أو آخذها من أفعاله أو تقريراته، وبالطرق المعتد بها عندهم، وشروط ذلك، ودرجات هذه الأحكام" [1] .

ولا شك أن هناك من اجتهادات الأئمة ما كان في سياقٍ تاريخيٍّ معينٍ يفتون بحسبه، يعني أن الأئمة كانوا يجتهدون أحيانا حسب القالب التاريخي للنازلة، بحيث يبرز حدث تاريخي تتولد عنه نوازل لم يكن للناس بها عهد، فيفزعون إلى الفقهاء لمعرفة حكم الله تعالى، هذه"الفتاوى التاريخية"-إن صح التعبير- يمكن جعلها مادة لتخريج الفروع على الفروع، بحيث تقاس عليها نوازل مستقبليةٌ لاستنباط الأحكام؛ فيأتي الفقيه المتأخر الذي وجد نفسه أمام نازلةٍ تاريخيةٍ، ويستنبط حكما بتخريجها على اجتهادات الأئمة الذين سبقوه، قياسا على نوازل شبيهةٍ أو وجدت فيها صورة اتَّحدت مع النازلة المستجدة في وجهٍ من الوجوه، وفي هذا يقول ابن خلدون رحمه الله:"ولما صار مذهب كل إمام عِلمًا مخصوصًا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيلٌ إلى الاجتهاد والقياس؛ فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الِإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه، بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم؛ وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة، يُقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا" [2] .

(1) التخريج عند الفقهاء والأصوليين، يعقوب الباحسين، ص 187، (مكتبة الرشد، الرياض-المملكة العربية السعودية، 1414 ه)

(2) تاريخ ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 568.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت