فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 52

ولا شك أن أولى التخاريج هو التخريج على نصوص الوحيين، لكن إذا لم يُوَفَّق لذلك الفقيه ووجد في اجتهاد الأئمة ما يسعفه، مع تحققه من عدم خروجها عن نطاق النصوص والقواعد العامة والمقاصد الشرعية، فلا إشكال في استعانته بها واستئناسه بفوائدها، قال المازوني رحمه الله:"فإني لما امتحنت بخطة القضاء في عنفوان الشباب، وقادِني إليها ما يعلمه الله من الأمور الصعاب، وكُثرت علي نوازل الخصوم، وتوالت لدي شكايات المظلوم، وقِصَر الباع عن إدراك ما لا يتطرق إليه التباس من نص جلي أو واضح قياس. لجأت إلى كتب الأسئلة فيما يَشْكَل علي من نوازل الأحكام، متطلِّبًا جوابها من الأئمة الأعلام، المتعرضين للفتوى بين الأنام ... وقد كان اتفق لمولاي الوالد رحمه الله في مدة قضائه، ما اتفق لي من الالتجاء إَلى كتب الأسئلة للأئمة اُلمعاصرين له، حتى اجتمع له من أجوبتهم جملًة وافرة، وكان رحمه الله عزم على ترتيبها على أبواب الفقه فاختَرَمَته المنية قبل ذلك" [1] .

يقصد رحمه الله أن ما استشكل عليه من النوازل ولم يجد فيه نصاًّ، خرجه على اجتهادات الأئمة فيما شابه ما عُرض عليه.

المطلب الثالث: علم الشروط والوثائق.

يحتاج الناس إلى التوثيق سواءً في معاملاتهم لضبط الحقوق، أو في سجلاتهم لتدوين التاريخ؛ وقد اجتهد علماء الشريعة في هذا العلم أيَّما اجتهاد، فنتج عن ذلك الكمُّ الهائل الذي بلغنا من الوثائق والمخطوطات، وعرف حاجي خليفة هذا العلم بقوله:"علم باحث عن كيفية ثبت الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات، على وجه يصح الاحتجاج به عند انقضاء شهود الحال، وموضوعه: تلك الأحكام من حيث الكتابة، وبعض مباديه مأخوذ من الفقه، وبعضها من علم الإنشاء، وبعضها من الرسوم والعادات والأمور الاستحسانية. وهو من فروع الفقه، من حيث كون ترتيب معانيه، موافقا لقوانين الشرع؛ وقد يجعل من فروع الأدب، باعتبار تحسين الألفاظ" [2] .

(1) الدرر المكنونة في نوازل مازونة، أبو زكرياء يحي بن موسى المازوني، ص 224، (مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي الوسيط، إعداد الطالب: بركات إسماعيل، إشراف: د. عبد العزيز فيلالي، دراسة وتحقيق من مسائل الطهارة إلى مسألة النزاع بين طلبة غرناطة) .

(2) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله حاجي خليفة، 2/ 1045 - 1046، تحقيق: محمد شرف الدين يالتقايا، (دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت