فهرس الكتاب
تُعبّر الوثائق كيفما كان نوعها فقهية أو غير ذلك، عن المرحلة التاريخية التي عاشها كاتبوها، فيحتاجها المفتي أو القاضي المعاصرُ لها للبث في النوازل، فمثلا إذا ظهرت معاملة مالية جديدة، فإن الحكم عليها قد يتطلب الرجوع للوثائق التي أُبرمت حولها، يفحصها النوازلي لتكييف المسألة فقهيا وضبط صورها؛ كما يحتاجها النوازلي الذي سيأتي في العصور اللاحقة في القياس أو تخريج الفروع عليها، ومن ذلك ما ذكره التسولي رحمه الله -باختصار-:"لما كانت تحفة الحكام من أَجَلّ ما أُلّف في علم الوثائق والإبرام ... طلب مني الكثير من طلبة الوقت أن أضع لهم شرحا عليها .... مبينا فيه ما به العمل عند المتأخرين من قضاة العدل والأئمة الكرام ... ليتدرب بذلك من لم يتقدم له مسيس بالفتوى من الأنام ويهتدي إلى كيفية تنزيل الفقه على وثائق الأحكام" [1] ، فقد صرح بأن علم الوثائق مُبيِّن لما عليه العمل عند القضاة، وصالح للمفتي في تنزيل الفقه على الوثائق واستثمارها لاستخراج الأحكام منها.
وكما أن الفقيه محتاج للوثائق، فإن الوثائق لا تقوم إلا بالفقه، لأنها تدون تصرفات الناس بغية ضمان حقوقهم، ولا يكون ذلك إلا بالشروط التي وضعها الفقهاء، كما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:"والناس تعاملوه من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا. والمقصود بكتابة التصرفات هو إحكامها باستيفاء شروطها، والفقه هو الذي رسم هذه الشروط، وعن طريقه يعرف ما يصح من الوثائق وما يبطل، إذ ليس للتوثيق أركان وشروط خارجة عن الفقه" [2] .
وأما الوثائق التاريخية فيمكن للمفتي أن يستعين بها في معرفة عادات وأعراف المستفتين، لأن بعض النوازل تتطلب الرجوع لجذورها التاريخية حتى يتم الحكم عليها على أحسن وجه.
المطلب الرابع: استشراف المستقبل.
التاريخ مهم لحسن التصرف في الحاضر، وضروري للتخطيط للمستقبل، فنوازل الحاضر تحتاج لأحداث الماضي، والحكم على نوازل الحاضر مادة مُعِينة
(1) البهجة في شرح التحفة، علي بن عبد السلام التُّسُولي، 1/ 7، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين، (دار الكتب العلمية: لبنان - بيروت، الطبعة: الأولى، 1418 هـ / 1998 م) .
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية، 14/ 139، (وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية: الكويت، الطبعة الثانية، 1408 ه/1988 م) .