فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 52

المطلب الأول: احترام ذاتية العلوم.

تحتاج العلوم بعضها لبعضٍ في منظومةٍ صعبة الانفكاك، لكنَّ الإفراط في استعمال علم في خدمة علم آخر يُقْحِم الأول فيما لا يحق له ويسلب الثاني خصوصياته، فالعلوم كانت في عهد الصحابة رتقًا ثم فُتِقَت، لأنهم كانوا رضوان الله عليهم أرباب لغة وظفروا بملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، علاوة على ما ميزهم الله به من قوة الحفظ وعظيم الفطنة؛ فتجد أحدهم فحلا في التفسير، فقيها بالأحكام، ضابطا للتواريخ. ولم يمنع نُبُوغهم في كافة العلوم من تميز بعضهم دون بعض بعلم معين؛ فعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل؛ ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" [1] . كأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع نواةً لخلية التخصص، لِعِلْمه بأحوال الصحابة وقدراتهم.

وقد نقصت القدرة في الجمع بين العلوم عند التابعين وتابعيهم لفساد اللسان العربي، الذي نَجَم عن الفتوحات الإسلامية ودخول الأعاجم في الإسلام؛ فنقص المستوى العلمي، وأصبحت تظهر التخصصات، ويمكن اعتبار ذلك حجر أساس للتخصص الذي نحن عليه الآن [2] . ومن ثَمَّ وجب احترام التخصصات بألا يتطاول أهل فنٍّ على فنٍّ آخر، أو يتجرؤوا على الخوض فيه بغير علمٍ، وقد قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [3] ، وكما يقال:"أهل مكة أدرى بشعابها".

(1) أخرجه الترمذي في سننه، 5/ 665، أبواب المناقب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، تحقيق: أحمد شاكر - محمد فؤاد عبد الباقي - إبراهيم عطوة عوض، ط 2، (مصر: مصطفى البابي الحلبي 1397 ه - 1977 م) .

(2) ملخص ما ذكرته في رسالتي للماجستير:"أثر الأخطاء الحديثية على الأحكام الفقهية"، مرجع سابق.

(3) سورة الإسراء: الآية 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت