فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 52

ولادة محمد بن عبد الوهاب النجدي بسبع وثلاثين وستمائة سنة، يعني أن فتواه ليس لها علاقة بمحمد بن عبد الوهاب النجدي، وإنما موضوعها الوهبية وهي فرقة إباضية أنشأها عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم، المتوفى سنة تسعين ومائة هجرية.

وهنا تتجلى أهمية التاريخ في رفع اللَّبس الذي قد يقع في أحداث بعض النوازل.

4 -... قال خليل رحمه الله:"وإن وصف ثان وصف أول ولم يبن بها: حلفا وقسمت: كبينتين لم يؤرخا وإلا فللأقدم" [1] ، فظهر هنا أنه بنى الحكم في المسألة على التاريخ ومعرفة السابق من اللاحق، وصرح أحمد الدردير بذلك في شرحه لكلام خليل حين قال:"كبينتين متساويتين في العدالة أقام كل منهما بينة تشهد له، والحال أنهما لم يؤرخا أي لم يذكرا تاريخًا، حلفا وقسمت بينهما أيضًا، ولو انفصل من أخذها، وإلا بأن أرخا فللأقدم تاريخًا" [2] .

5 -قال الحطاب الرُّعيني رحمه الله:"فتحصل من هذه النصوص [3] أنه إن كان الحق الذي يقوم به قبل تاريخ البراءة فلا اختلاف أن القول قول المطلوب بأنه دخل في البراءة ... وأما إن كان الحق الذي يقوم به لم يتحقق أنه بعد تاريخ البراءة. بل أشكل أمره، أكان قبلها أو بعدها، إما لكونهما مؤرخين بشهر واحد، أو عاريين من التاريخ، أو أحدهما مؤرخ والآخر غير مؤرخ، فلا يخلو إما أن يتحقق الطالب أنه بعد البراءة، أو يقول لا علم لي" [4] .

اتضح جليا أن الحطاب ومن احتج بهم، تداولوا التاريخ ضرورة في اجتهادهم، بحيث كان عاملًا محدِّدًا في الفتوى، تتغير معالمها وأحوالها بتغيره، فقد ذكر أنه إن كان لشخص على آخر حق فأبرأه منه، ثم جاء يطالب ببعضه بعد ذلك، فإن تبين أن الحق قبل تاريخ البراءة فلا اختلاف أن المُطالِب بالحق لا شيء له، لأن ما يطالب به سبق أن بَرّأ منه المتهم، وأما إن لم يُمَكِّن التاريخ من الفصل، فإما أن يتحقق المدعي أن ما يطالب به كان بعد البراءة أو أن يقول لا علم لي؛ ويوضح

(1) مختصر خليل، خليل بن إسحاق، ص 216، تحقيق: أحمد جاد، (دار الحديث: القاهرة-مصر، الطبعة الأولى، 1426 هـ/2005 م) .

(2) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، مرجع سابق، 4/ 118.

(3) منها قوله:"وسئل مالك فقيل له كانت لي عند رجل ثلاثة وعشرون دينارا وديعة فكنت آخذ منه الشيء بعد الشيء حتى بقيت لي عنده ثمانية عشر فسألته إياها، فقال دفعتها في بعض حاجتي، ولكن اكتبها علي فكتبتها عليه بالشهود والبينة مؤرخة فغبت، ثم رجعت فتقاضيته إياها، فجاء ببراءة مكتوب فيها براءة لفلان بن فلان من أربعة دنانير ليست الأربعة مؤرخة ولا منسوبة من الثمانية عشر ولا من الثلاثة والعشرين فهو يقول من الثمانية عشر وأقول من الثلاثة والعشرين التي كانت لي عليك قبل أن أكتب عليك الثمانية عشر، فقال أيقر لك بأنه قد كان لك عليه ثلاثة وعشرون فقال: لا فأطرق طويلا، ثم قال: إن أقمت البينة أنه قد كانت عليه ثلاثة وعشرون دينارا حلفت بالله ما هذه البراءة من الثمانية عشر، وكانت لك عليه ابن رشد، وهذا كما قال إنه إذا أقر أنه كانت له عليه ثلاثة وعشرون أو أقام عليه بذلك البينة كان القول قوله إن البراءة ليست من الثمانية عشر، وإنها من الثلاثة والعشرين، ولو لم يقر بذلك، ولا قامت عليه به بينة لكان القول قول المطلوب إنها من الثمانية عشر باتفاق إن لم يكن بينهما مخالطة وقال في النوادر في كتاب الإقرار في الترجمة التي بعد ترجمة الإقرار بالمجهول."

قال ابن المواز: وإذا دفع إليه خمسين دينارا وكتب له أن ذلك آخر حق له قبله، ثم قام عليه بحق، فقال هو بعد البراءة وقال الآخر: قبلها فكلما أشكل من هذا أهو قبل البراءة أم بعدها، فلا يقضى به، وكذلك لو أخرج هذا ذكر حق لا تاريخ فيه، وبيد الآخر براءة لا تاريخ فيها فالبراءة أحق، وإن كان في أحدهما تاريخ حكم بالذي فيه التاريخ، وبطل الآخر". مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، محمد بن محمد الحطاب الرُّعيني، 7/ 247، تحقيق: زكريا عميرات، (دار الكتب العلمية: بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1416 هـ/1995 م) ."

(4) المرجع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت