فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 52

هذا كلام الخرشي رحمه الله حين قال -بتصرف يسير-:"وإذا برئ من عليه الحق بصيغة من الصيغ المتقدمة ثم قام صاحب الحق وادعى على من أبرأه بحق، فلا تقبل دعواه عليه إلا أن يأتي ببينة تشهد له أن الحجة المكتتب فيها الحق بعد البراءة صدر التعامل بما فيه بعد البراءة، فحينئذ يعمل به، وكذلك لو جهل التاريخ، أو كان غير مؤرخ فلا تقبل دعواه به إلا ببينة أنه بعد الإبراء" [1] .

6 -قال الحطاب الرُّعيني رحمه الله:"وذكر ابن الرقيق في تاريخ القيروان أن أسد بن الفرات أجاب الأمير بجواز دخول الحمام بجواريه، وخطَّأه ابن محرز لحرمة الكشف بينهن، والصواب معه" [2] ، الشاهد عندي هاهنا هو أن المؤلف استشهد على حكم فقهي بحكاية مُؤَرِّخ [3] ، وأن المؤرخ دَوَّن حدثًا أصله نازلةٌ فقهيةٌ.

7 -قال القرافي رحمه الله:"وإذا نقل عن مجتهد قولان فإن كانا موضعين وعلم التاريخ عُدَّ الثاني رجوعا عن الأول، وإن لم يُعلم، حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه برجوع" [4] ، أبان هنا رحمه الله أنه إذا كانت للمجتهد أقوال في مواضع مختلفةٍ، فإن الترجيح بينها يكون بالتاريخ، فيُعمل بآخر ما قاله على حساب الأقوال المتقدمة، وأما إذا لم يعلم التاريخ، فتُحكى عنه الأقوال كلها، دون مزية لأحدها على الآخر؛ وعلى هذا، فإذا كانت أمامنا نازلة ووجدنا للمفتي أحكامًا مختلفةً عليها وفي مواقع مختلفة، فإننا ننسب له الاجتهاد الأحدث ونبني على آخر ما قاله [5] .

8 -ومن جملة ما رد به العلماء على السلطان المخلوع أبي عبد الله محمد بن عبد الله السعدي قولهم [6] : وفي كتاب القضاء من نوازل الإمام البرزلي رحمه الله [7] أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله استفتى علماء زمانه -رضي الله عنهم وهم ما هم- في استنصار ابن عباد الأندلسي بالكتابة إلى الإفرنج على أن يعينوه على المسلمين، فأجابه جلهم رضي الله عنهم برِدَّته وكفره، فتأمل هذا مع قضيتك تجدها أحروية مناسبة لقضية ابن عباد في عقدها ابتداءًا وأنه متى

(1) شرح مختصر خليل للخرشي وبهامشه حاشية العدوي، محمد بن عبد الله الخرشي، 4/ 335 - 336، (مطبعة محمد أفندي مصطفى: مصر، 1306 ه) .

(2) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، مرجع سابق، 1/ 114.

(3) أقصد ابن الرقيق: هو أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم، المعروف بالرقيق أو ابن الرقيق. مؤرخ من أهل القيروان عاش في القرن الخامس الهجري.

(4) الذخيرة للقرافي، أحمد بن إدريس القرافي،1/ 134، تحقيق: محمد حجي وسعيد أعراب ومحمد بو خبزة، (دار الغرب الإسلامي: بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1994 م) .

(5) هذا فيما يخص ما ذكره القرافي هاهنا، لكن قد تحكى عن المجتهد أقوالٌ في المسألة الواحدة ونأخذ بها كلها، إذا تبين لنا بالقرائن أن اختلاف اجتهاده ليس مبنيا على التراجع عن الأقوال السابقة وإنما مرده لأقوال متنوعة حول الحادثة نفسها.

(6) هذا مقتطف من رد العلماء على السلطان المخلوع أبي عبد الله محمد بن عبد الله السعدي، لما دخل طنجة قاصدا طاغية البرتغال سبستيان، وشكا إليه ما ناله من عمه أبي مروان المعتصم بالله، وطلب منه الإعانة عليه كي يسترجع ملكه وينتزع منه حقه؛ فلبى دعوته وشرط عليه أن يكون للنصارى سائر السواحل، وله هو ما وراء ذلك، فقبل أبو عبد الله. وللحين جمع الطاغية جموعه واستوعب كبراء جيشه ووجوه دولته وعزم على الخروج إلى بلاد الإسلام، وكان محمد بن عبد الله المذكور قد كتب عند خروجه بجيش البرتغال إلى بلاد الإسلام رسالة بعث بها إلى أعيان المغرب من علمائه وأشرافه وذوي رأيه، يغمض عليهم بها في نكث بيعته ونقضها ومبايعة عمه من غير موجب شرعي، وقال لهم ما استصرخت بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين؛ وقد قال العلماء أنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه، وتهددهم فيها وأبرق وأرعد وقال: فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وسمى النصارى أهل العدوة واستنكف من تسميتهم نصارى. فأجابه علماء الإسلام رضوان الله عليهم عن رسالته تلك برسالة دامغة لجيش أباطيلة وفاضحة لركيك تأويله. نقلا عن الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، أحمد بن خالد الناصري، 5/ 69 - 70، تحقيق: جعفر الناصري ومحمد الناصري، (دار الكتاب: الدار البيضاء- المملكة المغربية) .

(7) هذا ما نقله أحمد الناصري وأما نص كلام البرزلي فكالآتي:"المعتمد بنعباد استعان بهم في حرب المرابطين، فنصرهم الله عليه وهرب هو ثم نزل على حكم يوسف بن تاشفين أمير صنهاجة فاستفتى فيه الفقهاء فأكثرهم أفتى أنها رِدَّة، وقاضيه وبعضُ الفقهاء لم يرها ردة ولم يبح دمه". فتاوى البرزلي، أبي القاسم بن احمد البرزلي، 22/ 4، (دار الغرب الإسلامي: بيروت-لبنان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت