القوانين فيها ما هو صحيحٌ لا ريب فيه ... فهذا القانون الصحيح لم ينتفعوا به ... والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان [1] "."
وأما التقنين فذكر مصطفى الزرقا بأنه يقصد به بوجهٍ عامٍّ جمع الأحكام، والقواعد التشريعية المتعلّقة بمجالٍ من مجالات العلاقات الاجتماعية، وتبويبها وترتيبها، وصياغتها بعباراتٍ آمرةٍ موجزةٍ واضحةٍ في بنودٍ تسمى:"مواد"، ذات أرقامٍ مسلسلةٍ، ثم إصدارها في صورة قانونٍ، أو نظامٍ تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس. وأما تقنين الفقه الإسلامي فالمقصود به تطبيق التقنين على الأحكام الفقهية المأخوذة من مذهبٍ واحدٍ [2] .
وقد حصره في المذهب الواحد، لكن الظاهر أن التقنين ليس بالضرورة خاصًا بمذهبٍ معينٍ، ولعل هذا ما أراده يوسف القرضاوي حين عرفه بأنه صياغة الفقه في صورة موادٍ قانونيةٍ مرتبةٍ على غرار القوانين الحديثة من مدنيةٍ، وجنائيةٍ، وإداريةٍ، وذلك لتكون منهجًا سهلًا محددًا يمكن أن يتقيد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون [3] ؛ فعبر بالفقه عمومًا، ولم يقيده بمذهبٍ معينٍ.
لم يكن التقنين معروفًا بهذا المصطلح عند المتقدمين، لكن يعود أصله عندهم إلى مسألة إلزام ولي الأمر للقاضي بالحكم بقولٍ واحدٍ. ولعل منشأ هذا الإلزام، والتقنين، هو محاولة إقناع عبد الله بن المقفع لأبي جعفر المنصور بإلزام القضاة بأحكامٍ فقهيةٍ معينةٍ في بدء العهد العباسي من خلال مؤلفه"رسالة الصحابة"، واتُّهم بالزندقة على إثر ذلك [4] . وكذلك لما اقترح أبو جعفر المنصور على الإمام مالك أن يلزم الناس بكتابه الموطأ، رفض الإمام وقال:"لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا رواياتٍ، وأخذ كل قومٍ بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس"
(1) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 5/ 341 - 342.
(2) المدخل الفقهي العام، للزرقا، 1/ 313.
(3) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، للقرضاوي، ص 49.
(4) فقه النوازل، لبكر أبي زيد، ص 1/ 17 - 20.