وتبلغ نصوص السورة في بيان هذه الحقيقة , وتقرير هذا الأصل , مبلغا حاسما جازما , لا سبيل للجدال فيه , أو الاحتيال عليه , أو تمويهه وتلبيسه , لأنها من القوة والوضوح والحسم بحيث لا تقبل الجدال!
وتقرير هذا المبدأ الأساسي يتمثل في نصوص كثيرة كثرة واضحة في السورة. وسيجيء استعراضها التفصيلي في مكانها من السياق. فنكتفي هنا بذكر بعضها إجمالا:
يتمثل على وجه الإجمال في آية الافتتاح في السورة: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. .) . . كما يتمثل في مثل هذه الآيات: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. . .) [آية 36] . . (إن الله لا يغفر أن يشرك به ; ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . . [آية 48] . .
ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم , فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول , إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلا. ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. [59 - 61] . . (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) . . [آية 64] . . (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . . [آية 65] . . (من يطع الرسول فقد أطاع الله , ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) . . [آية 80] . . (ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين , نوله ما تولى , ونصله جهنم وساءت مصيرا) . . [آية 115] . .
وهكذا يتحدد معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام , ونظام المجتمع المسلم , ومنهجه في الحياة. وهكذا لا يعود الإيمان مجرد مشاعر وتصورات ; ولا يعود الإسلام مجرد كلمات وشعارات , ولا مجرد شعائر تعبدية وصلوات. . إنما هو إلى جانب هذا وذلك , وقبل هذا وذلك. نظام يحكم , ومنهج يتحكم , وقيادة تطاع , ووضع يستند إلى نظام معين , ومنهج معين , وقيادة معينة. وبغير هذا كله لا يكون إيمان , ولا يكون إسلام , ولا يكون مجتمع ينسب نفسه إلى الإسلام.
وتترتب على إقرار هذا المبدأ الأساسي توجيهات كثيرة في السورة. كلها تفريعات على هذا الأصل الكبير:
1 -يترتب عليه أن تكون التنظيمات الاجتماعية كلها في المجتمع - شأنها شأن الشعائر التعبدية - مرتكنة إلى هذا الأصل الكبير , مستندة إلى معنى الدين , وحد الإيمان , وشرط الإسلام , على هذا النحو الذي قررته تلك النماذج التي أسلفنا. فهي ليست مجرد تنظيمات وتشريعات. إنما هي مقتضى الإيمان بالله والاعتراف بألوهيته ,وإفراده بالألوهية , والتلقي من القيادة التي يحددها. . ومن ثم نرى كل التشريعات والتنظيمات التي أشرنا إليها تستند إلى هذه الجهة , وينص في أعقابها نصا على هذه الحقيقة:
آية الافتتاح التي تقرر وحدة البشرية , وتدعو الناس إلى رعاية وشيجة الرحم , وتعد مقدمة لسائر التنظيمات التي تلتها في السورة. . تبدأ بدعوة الناس إلى تقوى ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) . . وتنتهي إلى تقواه , وتحذيرهم من رقابته: (إن الله كان عليكم رقيبا) . .