الصفحة 43 من 484

إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك , لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء , ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا. يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ? إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار , ولن تجد لهم نصيرا). . [137 - 145] . .

وفي قطاع الجهاد - وفي غيره من القطاعات الأخرى في السورة - نلتقي بالحرب المشبوبة على الجماعة المسلمة , وعلى العقيدة الإسلامية , والقيادة الإسلامية كذلك , من أهل الكتاب - وبخاصة اليهود - وحلفائهم من المنافقين في المدينة , والمشركين في مكة , وما حولهما. . وهي الحرب التي التقينا بها في سورة البقرة , وفي سورة آل عمران , من قبل. . ونلتقي كذلك بالمنهج الرباني. وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة السائرة بين الأشواك الخبيثة , والأحابيل الماكرة , يقودها , ويوجهها , ويحذرها , ويكشف لها طبيعة أعدائها , وطبيعة المعركة التي تخوضها , وطبيعة الأرض التي تدور فيها المعركة , وزواياها وجوانبها الخبيثة.

ومن علامات الإعجاز في هذا القرآن , أن هذه النصوص التي نزلت لتواجه معركة معينة , ما تزال هي بذاتها تصور طبيعة المعركة الدائمة المتجددة بين الجماعة المسلمة في كل مكان , وعلى توالي الأجيال , وبين أعدائها التقليديين ; الذين ما يزالون هم هم , وما تزال حوافزهم هي هي في أصلها , وإن اختلفت أشكالها وظواهرها وأسبابها القريبة , وما تزال أهدافهم هي هي في طبيعتها وإن اختلفت أدواتها ووسائلها , وما تزال زلزلة العقيدة , وزعزعة الصف , والتشكيك في القيادة الربانية , هي الأهداف التي تصوب إليها طلقاتهم الماكرة , للوصول من ورائها إلى الاستيلاء على مقاليد الجماعة المسلمة , والتصرف في مقاديرها , واستغلال أرضها وجهدها وغلاتها وقواها وطاقاتها , كما كانت يهود تستغل الأوس والخزرج في المدينة , قبل أن يعزهم الله ويجمعهم بالإسلام , وبالقيادة المسلمة , وبالمنهج الرباني.

وقد حفلت هذه السورة كما حفلت سورتا البقرة وآل عمران بالحديث عن تلك المؤامرات التي لا تنقطع من اليهود ضد الجماعة المسلمة , بالاتفاق مع المنافقين ومع المشركين. وستجيء هذه النصوص مشروحة عند استعراضها في مكانها في السياق. فنكتفي هنا بإثبات طرف من هذه الحملة العنيفة:

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة , ويريدون أن تضلوا السبيل , والله أعلم بأعدائكم , وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه , ويقولون: سمعنا وعصينا , واسمع غير مسمع , وراعنا - ليا بألسنتهم وطعنالرسالات ; ولا غريبة من الغرائب , التي لا عهد للأرض بها ; أو لا عهد بها لبني إسرائيل أنفسهم. إنما هي حلقة من سلسلة الحجة التي يأخذها الله على العباد قبل الحساب. فقد أوحى إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله. وقد آتاه الله النبوة والحكم , كما آتى أنبياء بني إسرائيل! فلا غرابة في رسالته , ولا غرابة في قيادته , ولا غرابة في حاكميته. وكلها مألوف في عالم الرسالات. وكل تعلات بني إسرائيل في هذا الأمر كاذبة , وكل شبهاتهم كذلك باطلة. ولهم سوابق مثلها مع نبيهم الأكبر موسى عليه السلام , ومع أنبيائهم من بعده , وبخاصة مع عيسى عليه السلام , ومن ثم لا يجوز أن يلقي باله إليها أحد من المسلمين.

وتتولى آيات كثيرة في السورة بيان هذه الحقيقة. نقتطف بعضها في هذا المجمل ; حتى تجيء كلها مشروحة في مكانها من السياق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت