فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 40

قال:"أن يحتال على التوصل إلى حق أو على دفع الظلم بطريقٍ مباحةٍ لم توضع موصلةً إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو قد يكون قد وضعت له لكن تكون خفيةً ولا يفطن لها" [1] ، وفيما يلي بعض النماذج الكاشفة عن ذلك:

الأنموذج الأول: تفادي الربا.

ومثاله ما ذكرته آنفًا من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [2] . فهذا الحديث من العمد المتينة في هذا الموضوع، حيث استدل به أصحاب الحيل المحرمة ومن رد عليهم على حدٍّ سواء، ولا مجال للدخول في تلك التفاصيل؛ لكني بينت أن المخارج إذا احتفت بها شروطٌ وضوابط فلا إشكال في العمل بها، ومن ثم، فإنه إذا احتال محتالٌ على الشرع مستدلًا بدليلٍ معتبرٍ فليس العيب في الدليل وإنما في المستدِل به.

وعلى كل حالٍ، فإنه يبدو واضحًا من خلال الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من المعاملة المحرمة وكشف على التو عن المخرج الشرعي والبديل المَرْعي، فحقق للمكلف وازع البعد عن المحرم ومقصد سلوك الجائز. حيث أزاح المعاملة الربوية واعتاض عنها بمعاملةٍ ماليةٍ لا شبهة فيها، توصل إلى النتيجة نفسها لكن بوسيلةٍ مباحةٍ.

الأنموذج الثاني: استجلاب السيولة.

يعاني العديد من الناس من مشاكل في السيولة، حيث يفتقدها البعض في المجال الاستهلاكي بينما يحتاجها فريقٌ آخر في الجانب الاستثماري، وقد جاء الوحيان بحلولٍ عدةٍ لهذه المشكلة على رأسها الزكاة وكذلك الوقف؛ مع الإشارة إلى أن هناك أحاديث أتت بمخارج عامةٍ للضائقات المالية، مُشكِّلةً قوةً كبيرةً في تمويل الحاجات الاستهلاكية والمشاريع الاستثمارية، ومن ذلك:

أولا: التورق، وهو شراء السلعة نسيئةً [3] ، ثم يبيعها نقدًا [4] بأقل مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد. ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إلا عند فقهاء الحنابلة، أما غيرهم فقد تكلموا عنها في مسائل بيع العينة [5] .

وقد توسعت فيه بعض المصارف حتى صار تحايلًا واضحًا وصريحًا، في حين أن السنة النبوية توفر ما يغني عن الوقوع في هذه المعاملة، ويعتبر مخرجًا للحصول على السيولة،

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، مرجع سابق، 3/ 261.

(2) سبق تخريجه.

(3) أي: إلى أجلٍ.

(4) لغير البائع الذي اشتراها منه.

(5) الموسوعة الفقهية الكويتية، 14/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت