فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 40

ومن ذلك عقد السلم كما في حديث عن ابن عباس، قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال:"من أسلف في تمرٍ، فليسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ" [1] .

والسَّلَم هو بيع آجلٍ بعاجلٍ، وهو عقدٌ على بيعٍ موصوفٍ في الذمة إلى أجلٍ مسمىً بثمنٍ يسلم في مجلس العقد.

وفائدته هو حصول المشتري على السلعة بثمنٍ أرخص، واستفادة البائع من السيولة؛ قال علي القره داغي:"والسلم والسلم الموازي [2] حيث إنهما يحلاّن مشكلات السيولة لدى أصحاب المصانع، والمقاولات والمزارع ونحوها، حيث يتسلمون الأموال الكافية ويبيعون إنتاجهم المستقبلي في وقتٍ مبكرٍ، وفي ذلك نوعٌ كبيرٌ من الاطمئنان، كما أنهما يساعدان أصحاب الأموال وبنوك التمويل وشركات الاستثمار على استثمار أموالهم بصورةٍ جيدةٍ وأرباحٍ مجزيةٍ" [3] .

ثانيًا: عن أبي سعيد الخدري، قال:"بينما نحن في سفرٍ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من كان معه فضل ظهرٍ، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ، فليعد به على من لا زاد له"، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضلٍ" [4] ، ولو طبقنا هذا الحديث في نظري، لما بقي على ظهر الأرض جائعٌ ولا معوز، لأن المشكلة ليست في قلة الموارد وإنما في سوء توزيعها، ولو أن ذوي الدثور جادوا بما فضل عليهم من سيولةٍ في سبيل تمويل من لا عمل له، لَحُلت مشاكل البطالة لا محالة. وفيما صرح به الراوي من ذكر الرسول لأصناف عدةٍ من المال، فتحٌ لباب الاجتهاد في إيجاد مخارج تمويليةٍ لحاجات

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في كيل معلوم، مرجع سابق، 3/ 85. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب السلم، مرجع سابق، 3/ 1226. والرواية لمسلم.

(2) صورته أن يشتري سلعةً بالسلم، ثم يبيعها لطرفٍ آخر بالسلم بعد الأجل الأول، مع كون العقدين منفصلين، قال الشافعي:"ومن سلف في طعام ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يَجُز؛ وإن باع طعامًا بصفةٍ ونوى أن يقضيه من ذلك الطعام فلا بأس، لأن له أن يقضيه من غيره، لأن ذلك الطعام لو كان على غير الصفة لم يكن له أن يعطيه منه، ولو قبضه وكان على الصفة كان له أن يحبسه ولا يعطيه إياه، ولو هلك كان عليه أن يعطيه مثل صفة طعامه الذي باعه". الأم، للشافعي، 3/ 72.

(3) إدارة السيولة في المؤسسات المالية الإسلامية -دراسة فقهية اقتصادية -، لعلي القره داغي، ص 40.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، مرجع سابق، 3/ 1354.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت