فإن القدرية ( أي الذين نفوا القدر ولم يثبتوه ) غلوا في تحميل العبد للمسؤولية عند فعل المعصية , فقالوا: العبد مسؤول عما يفعل من المعاصي وغلوا في ذلك حتى قالوا أن الله تعالى لم يقدر عليه هذه المعاصي ولم يخلقها , ثم غلوا حتى جعلوا جميع أفعال العبد , هو الذي يستأنفها من عند نفسه , والله تبارك وتعالى لم يكتبها عليه , ولم يقدرها عليه , وغلا بعضهم فقال لا يعلم الله بها إلا بعد وقوعها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
كل ذلك غلو وجموح وجنوح عن الصراط القويم.
فقابلتهم الجبرية...
وقالوا لا حيلة للعبد ولا إرادة له ولا اختيار , وغلوا في إثبات القدر , حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح , لا إرادة له ولا اختيار , فكل الأمور بالقدر وكل تأمرون قدره الله , حتى إذا فعلوا المعاصي وانتهكوا حرمات قالوا: هذا بقدر الله , وليس لنا بذلك أي ذنب.
وهؤلاء في ضلال مبين وفق الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة , فمشوا وتمشوا بصريح القران والسنة , فاثبتوا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد كما هو الخالق لكل تأمرون ( وخلقكم وما تعملون ) وفي نفس الوقت أثبتوا أن العبد هو الفاعل فالعبد هو الذي يفعل أفعاله كما هو في كتاب الله سبحانه وتعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره)
فالعبد هو الفاعل , والله تعالى هو الخالق , وفعل العبد بناء وبمقتضى مشيئة وإرادة خلقها الله تعالى فيه , وأعطاه إياها , وكما قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) .
فالمشيئة التي تنفذ وتتحقق ولا يردها تأمرون هي مشيئة الله تبارك وتعالى , والعبد مع أن له مشيئة يتصرف بها ويكون مسؤولا عما تمليه عليه من الأعمال, إلا أن هذه المشيئة لا تكون إلا بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى , وكل ذلك في علمه تبارك وتعالى، فهو كما صرح في القران وفي الحديث.