الصفحة 14 من 43

إذا قلتَ: كيفَ زيدٌ؟ فتفسيرُ هذا الكلامِ: على أيِّ حالٍ زيدٌ، أو في أيِّ حالٍ زيدٌ، والصحيحُ أنها اسمٌ؛ لأنها يُبْدَلُ منها الاسمُ، كقولِك: كيف زيدٌ، أصحيحٌ أمْ مَريضٌ، وأيضًا فإنَّ كيف إمَّا أنْ تكونَ اسمًا أو فِعْلًا أو حرْفًا, لا جائِزٌ أنْ تكونَ حَرفًا؛ لأنَّ الحرْفَ لا يُفيدُ كلامًا تامًّا، مع غيرِه في غيرِ النداءِ، نحوَ: يا زيدُ، وهذه تُفيدُ كقولِك: كيف زيدٌ؟ ولا جائِزٌ أنْ تكونَ فِعلًا؛ لأنَّ الفعْلَ لا يَلِي الفعْلَ مِن غيرِ فصْلٍ, وهذه تَلِيهِ، فتَعَيَّنَ أنْ تَكونَ اسمًا، وأمَّا اشتقاقُ الفعْلِ مِن كيفَ، نحوِ قولِهم: هذا شيءٌ لا يُكَيَّفُ، فكلامٌ ليس بعربيٍّ، وإنما هو مُوَلَّدٌ، ويُشْبِهُ هذا في رَداءةِ الاستعمالِ إدخالُهم الألِفَ واللامَ على كَيفَ، نحوَ قولِهم: الكيفُ، ومَوْضِعُ كيفَ نَصْبٌ بـ"يَفْعَلُ"، فيَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَفعولًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ فيه.

ولا خَرِقٍ هَيْقٍ كَأنَّ فُؤَادَه يَظَلُّ به الْمُكَّاءُ يَعْلُو وَيَسْفُلُ

الْخَرِقُ الدَّهِشُ مِن الخوفِ أو الحياءِ، والمرادُ هنا الخوفُ، وقد خَرِقَ بفَتْحِ الخاءِ وكسْرِ الراءِ، وأَخْرَقْتُه أيْ أَدْهَشْتُه، والْهَيْقُ الظَّلِيمُ. يُريدُ لستُ كالظَّلِيمِ في نُفُورِه عندَ حُدوثِ مُرَوِّعٍ، والْمُكَّاءُ طائرٌ، أيْ: لستُ ممن يَخافُ فيَتَقَلْقَلَ فُؤادُه ويَرْجُفَ، شَبَّهَ رَجَفانَ فُؤادِه وتَقَلْقُلَه بشيءٍ مع طائرٍ يَعلو به مَرَّةً ويَسْفُلُ به أُخرى، وخَرِقٍ بالجَرِّ عَطْفًا على ما قَبْلَه، مِن الصفاتِ المجرورةِ، ولو نُصِبَ على الحالِ عَطْفًا على أَكْهَى، كانَ جَائزًا، وهَيْقٍ نَعْتٌ لِخَرِقٍ، وكأنَّ ومَعْمُولَتُها في مَوْضِعِ جَرٍّ على الصفةِ لِمَا قَبْلَها، ويَجوزُ جَعْلُه حالًا مِن الضميرِ في خَرِقٍ، ومِن خَرِقٍ نفْسِه؛ لأنه قد وُصِفَ، ويَظلُّ وما عَمِلَتْ فيه خبرُ كأنَّ، ويَعْلُو خبرُ يَظَلُّ، وبه على هذا معمولٌ لـ"يَعْلُو"أو"يَسْفُلُ"، ويَجوزُ أنْ يكونَ"يَعْلُو"حالًا، وبه خَبَرُ يَظَلُّ، والأوَّلُ أَجْوَدُ وأَقْعَدُ في المعنَى.

ولا خَالِفٍ دَارِيَّةٍ مُتَغَزِّلٍ يَروحُ ويَغْدُو داهِنًا يتَكَحَّلُ

الخالِفُ الذي لا خَيرَ فيه، يُقالُ: فُلانٌ خالِفَةُ أهْلِ بيتِه، إذا لم يكنْ عندَه خَيرٌ، والدارِيُّ الْمُقيمُ في دارِه لا يُفَارِقُها، والدارِيُّ العَطَّارُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مُرادُه هذا؛ لأنَّ الَعَطَّارَ يَكتسِبُ مِن رِيحِ عطْرِه فيَصيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَعَطِّرِ، فأرادَ: إني لستُ ممن يَتشاغلُ بتَطييبِ بدَنِه وثوبِه، أو يَكتسِبُ مِن طِيبِ حَليلتِه، لملازَمَتِه لها، ومُغازَلَةُ النساءِ محادَثَتُهُنَّ ومُرَاوَدَتُهُنَّ، يُقالُ: غازَلْتُها وغازَلَتْنِي، والاسمُ الغَزَلُ، فالمتغَزِّلُ هو الذي يُحادِثُ النساءَ ويُرَاوِدُهُنَّ. فنَفَى عن نفْسِه هذا الوصْفَ لشرَفِ هِمَّتِه، والرواحُ نَقيضُ الصَّباحِ، وهو اسمٌ للوقْتِ مِن زوالِ الشمسِ إلى الليلِ، والغدُوُّ نَقيضُ الرواحِ.

والداهِنُ الذي يَدْهُنُ نفْسَه بالدُّهْنِ، والمتكَحِّلُ الذي يَتعاطَى كَحْلَ عَينيهِ.

ولا خالِفٍ ودَارِيَّةٍ ومتَغَزِّلٍ عطْفٌ على ما تَقَدَّمَ مِن الصفاتِ، ويَجوزُ فيها ما تَقَدَّمَ مِن إعرابِ الصفاتِ، ويَروحُ ويَغدُو حالانِ مِن الضميرِ في مُتَغَزِّلٍ, ويَجوزُ أنْ يَكونَا في مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتًا لما قَبْلَهما، وداهِنًا خبرُ يَغْدُو، أو هي تامَّةٌ لا تَفتقِرُ إلى خبرٍ، فيكونُ"داهنًا"حالًا مِن الضميرِ في يَغدُو، وأمَّا يَروحُ فاسْمُها مُستَتِرٌ بعدَها، وأمَّا خَبَرُها فمَحذوفٌ، دَلَّ عليه خَبَرُ يَغدُو، والمعنى: يُروحُ داهنًا, وهذا المحذوفُ لك أنْ تَحكمَ عليه بالحالِ، كما حَكَمْتَ على داهنًا الذي هو خبرُ يَغدو، وأمَّا يَتَكَحَّلُ، فيَجوزُ أنْ يكونَ خَبرًا ثانيًا ليَغْدُو، أو حالًا مِن الضميرِ في"دَاهِنا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت