الصفحة 15 من 43

ولستُ بِعَلٍّ شَرُّه دونَ خَيْرِهِ ألَفَّ إذا ما رُعْتَهُ اهتاجَ أَعْزَلُ

العَلُّ القَرَادُ، والعَلُّ مِن الرجالِ الْمُسِنُّ الصغيرُ الجسْمِ، شُبِّهَ بالقَرَادِ لصِغَرِه، والألَفُّ العاجِزُ الذي لا غَناءَ عندَه في حرْبٍ ولا ضَيْفٍ، والرَّوْعُ الفَزَعُ، يُقالُ: رُعْتُهُ: إذا أَفْزَعْتَهُ, واهتاجَ أيْ: أَسْرَعَ عندَ إفزاعِكَ إيَّاهُ سُرعةً بحُمْقٍ، والأعزَلُ الذي لا سِلاحَ معه.

وشَرُّه مبتدأٌ، ودُونَ خَبَرُه، والتقديرُ لا يَحولُ شَرِّي بيني وبينَ خَيْرِي، وموضِعُ هذه الْجُملةِ جَرٌّ على الصفةِ لعَلٍّ على اللفْظِ، أو نصْبٌ على مَوْضِعِ عَلٍّ، وألَفَّ صِفةٌ لـ"عَلٍّ"على ما ذُكِرَ، ولا يَنصرِفُ للصفةِ ووَزْنِ الفعْلِ الذي يَغْلِبُ عليه؛ لأنَّ وزْنَ أفعَلَ في الأفعالِ أكثَرُ منه في الأسماءِ, وإذا ظَرْفٌ، العامِلُ فيها جوابُها وهو: اهتاجَ، ورُعْتُه مَجرورٌ بإضافتِه إلى إذا، وما يَجوزُ أنْ تكونَ زائدةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تُجعلَ مَصدرِيَّةً، ويكونُ التقديرُ وقتَ رَوعاتِه، وفاعلُ اهتاجَ ضميرٌ يعودَ على عَلٍّ أو ألَفَّ، وأَعْزَلُ خبرُ مُبتدأٍ محذوفٍ، أيْ وهو أعزَلُ، وتكونُ هذه الجملةُ حالًا مِن الضميرِ في"اهتاجَ"، أيْ اهتاجَ وهو أعْزَلُ، يُريدُ عارِيًا عن السلاحِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ نَعتًا لعَلٍّ.

ولستُ بِمِحْيَارِ الظلامِ إذا انْتَحَتْ هُدَى الْهَوْجَلِ العِسِّيفِ يَهماءُ هَوْجَلُ

الْمِحْيَارُ الْمُتَحَيِّرُ، يُقالُ: حَارَ حَيْرَةً وحَيْرًا، أيْ تَحَيَّرَ في أَمْرِه، وانْتَحَتْ قَصَدَتْ واعْتَرَضَتْ، والْهَوْجَلُ الرجُلُ الطويلُ الذي فيه تَسَرُّعٌ وحُمْقٌ، والعِسِّيفُ والعَسِّيفُ الآخِذُ على غيرِ الطريقِ، والْهَوْجَلُ آخِرُ الفَلاةِ التي لا أَعلامَ بها، ويَهماءُ الفَلاةُ التي لا يُهْتَدَى فيها للطريقِ، ولا يَستطيعُ المارُّ فيها دَفْعَ تَحَيُّرِه بها، وإنما جاءَ بِمِحْيَارٍ على وزْنِ الـ: مِفعالِ للمبالَغَةِ، وظاهِرُ هذا اللفْظِ أنه لا تَبْلُغُ منه الْحَيْرَةُ كما تَبلغُ مِن الذي اشتَدَّتْ حَيْرَتُه في الظلامِ، وليس هذا مُرَادَه، وإنما المرادُ هنا أنه لا يُوجَدُ منه أصْلُ الْحَيْرَةِ ولا غَلَبَتُها، فالظُّلْمَةُ مِن أسبابِ الْحَيْرَةِ للسائرِ فيها وقيلَ: بل الإضافةُ هنا، على معنى لستُ مِحْيَارًا في الظلامِ، كما قالَ تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وإذا ظرْفٌ لِمِحْيَارٍ، أيْ لستُ مِحيارًا في وقتِ اعتراضِ اليَهْمَاءَاتِ.

وقد رُوِيَ إِذَا نَحَتْ، ومعناه قَصَدَتْ، وهو معنى ما تَقَدَّمَ، والْهُدَى يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وعلى هذه الروايةِ قد أضافَ القصْدَ إلى الْهُدَى، والهدى مَنصوبٌ بقَصَدَتْ، ويَهماءُ هو الفاعلُ، وقد تَجَوَّزَ بأنْ جعَلَ اليَهماءَ قاصدةً للهُدى، لكن حيث كانَتِ اليَهماءُ غالبةً على اهتدائِه عَبَّرَ عنه بقَصْدِها إياه، وهو مِثلُ قولِهم: نامَ ليلُ الْهَوْجَلِ، أيْ: نامَ الهوجَلُ في ليلِه، وقد رُوِيَ انْتَحَتْ فالمرادُ به أنَّ اليَهماءَ حالَتْ بينَه وبينَ الْهُدَى، ويَهماءُ لا يَنْصَرِفُ، وعِلَّةُ ذلك ألِفُ التأنيثِ التي فيها، وهي مُسْتَثْقَلَةٌ تَمْنَعُ الصرْفَ؛ لأنَّ مُطْلَقَ التأنيثِ فَرْعٌ، ولُزومُه كتأنيثٍ آخَرَ، والألِفُ مُستقِلَّةٌ بذلك؛ لأنها صِيغَتْ مع الكلمةِ مِن أوَّلِ أَمْرِها، وتَلْزَمُها في جَمْعِها، وفارَقَتِ التاءَ في أنها فارِقَةٌ بينَ مذَكَّرٍ ومؤَنَّثٍ ـ أَعْنِي التاءَ ـ وتَدْخُلُ على المذكَّرِ فتَنْقُلُه إلى المؤنَّثِ, نحوَ قائمٍ وقائمةٍ, وليستْ لازمةً. وهَوْجَلُ صفةٌ ليَهماءَ, وألِفُ التأنيثِ, هنا هي المقصورةُ، تقَدَّمَها ألِفُ الْمَدِّ، والألفانِ لا يُستطاعُ الجمْعُ بينَهما، فحُرِّكَتْ فانْقَلَبَتْ هَمزةً، ولم يَجُزْ حذْفُ واحدةٍ منهما؛ لأنك إذا حَذَفْتَ الأُولَى بَطَلَ الْمَدُّ ـ أيضًا ـ فتَعَيَّنَ تحريكُ الثانيةِ.

إذا الأَمْعَزُ الصَّوَّانُ لاقَى مَنَاسِمِي تَطايَرَ مِنه قادِحٌ ومُفَلَّلُ

الأَمْعَزُ المكانُ الصُّلْبُ الكثيرُ الْحَصَى، والصَّوَّانُ الحجارةُ الْمُلْسُ، والْمَنْسِمُ في الأصْلِ خُفُّ البَعيرِ، والقادِحُ الذي تَخرجُ معه النارُ، والمعنى أنَّ سَيْرِي سَريعٌ، فإذا لاقَتْ مَناسِمِي حِجارةً تَطايَرَ منها نارٌ، والْمُفَلَّلُ المكَسَّرُ، ومُرادُه أنَّ النارَ تَخرجُ منه مع تَكَسُّرِه, وذلك أبْلَغُ في قُوَّةِ مَنَاسِمِه وَحِدَّةِ سَيْرِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت