فهرس الكتاب
الأمعَزُ فاعلُ فِعْلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه الفعْلُ بعدَه وهو لاقَى.
وإنما كان كذلك لأنَّ إذا فيها معنى الشرْطِ، والشرْطُ يَتقاضَى الفِعْلَ، فذلك الفعلُ هو الرافعُ للاسمِ الواقعِ بعدَ أَداةِ الشرْطِ، ومِن هذا النَّمَطِ ارتفاعُ الاسمِ في مِثلِ قولِه تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} {وَإِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} وقيلَ: إنه مرفوعٌ على أنه مُبتدأٌ، وهذا القولُ ليس بسَديدٍ؛ لأنَّ الشرْطَ لا معنى له في الاسمِ، فهو متقاضٌ للفعْلِ، ولذلك جاءَ الفعْلُ بعدَ الاسمِ مَجزومًا في قولِ عَدِيٍّ:
ومَتَى واغلٌ أَتَوْهُ يُحَيُّوهُ ... ويَعْطِفُ عليه كأسُ الساقِي
وإذا مَنصوبةُ الْمَوْضِعِ بتَطايَرَ، وموضعُ الأمعَزِ وفِعْلِه جَرٌّ بإضافةِ إذا إليه، تقديرُه وقتَ ملاقاةِ الأَمْعَزِ، ولاقَى الظاهرُ لا مَوْضِعَ له لأنه مُفَسِّرٌ، والأمْعَزُ مِن الصفاتِ الغالبةِ، جرَى مَجْرَى الأسماءِ فيُجْمَعُ على أَماعِزَ، مثلُ أفْضَلَ وأفاضِلَ، ولو تَمَحَّضَتْ صفةٌ لم تُجمَعْ على هذا المثالِ، بل كنتَ تقولُ: أمْعَزُ ومُعُزٌ، مثلُ أحمرَ وحُمْرٍ، ومُؤَنَّثُهُ مَعزاءُ، والصَّوَّانُ صِفةُ الأَمْعَزِ. وإنما يَصِحُّ ذلك بتقديرِ حذْفِ مضافٍ، أيْ الأمعَزُ ذو الصَّوَّانِ، هذا التقديرُ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ الصوَّانُ صِفةً للأمْعَزِ؛ لأنَّ الأَمْعَزَ الأرضُ، والصَّوَّانَ الحجارةُ، وهما غَيْرَانِ، والصفةُ هي الموصوفُ في المعنى، ويَجوزُ أنْ يكونَ الصوَّانُ نفْسُه صفةَ الأمعَزِ؛ لأنَّ الأمعَزَ لَمَّا لازَمَتْهُ الحجارةُ وكَثُرَتْ فيه، ولا يكونُ أمْعَزَ بدونِها, جازَ أنْ يُعَبَّرَ بالأمْعَزِ عن الصَّوَّانِ كما إذا كَثُرَ فعْلٌ مِن شخصٍ، صَحَّ أنْ يُوصَفَ به، فإذا أَكْثَرَ نومَه، قلتَ: زيدٌ نَوْمٌ، وزيدٌ إقبالٌ وإدبارٌ، إذا كَثُرَ منه الذهابُ والرجوعُ، و"منه"يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَفعولًا لتَطايَرَ، ويَجوزُ أنْ يكونَ صفةً لقادحٍ، قُدِّمَ فصارَ حالًا، ومِن للتبعيضِ، وعلى الأوَّلِ تكونُ لابتداءِ الغايةِ.
أُدِيمُ مِطالَ الجوعِ حتى أُمِيتَه وَأَضْرِبُ عَنْهُ الذكْرَ صَفْحًا فأَذْهَلُ
الْمِطَالُ مَأخوذٌ مِن الْمُمَاطَلَةِ، وهي امتدادُ الْمُدَّةِ، وكلُّ ممدودٍ مَمطولٌ، يقالُ: مَطَلْتُ الحديدةَ إذا ضَرَبْتَهَا، ومَدَدْتُهَا لتَطُولَ، وضَرَبْتُ عن الشيءِ صَفْحًا، إذا أَعْرَضْتَ عنه وتَركتَه، وذَهَلَ عن الشيءِ نَسِيَهُ وغَفَلَ عنه، والصفْحُ الإعراضُ أيضًا.
أُدِيمُ مُستأنَفٌ لا مَوْضِعَ له، ويَجوزُ أنْ تَجعلَه خبرَ مُبتدأٍ محذوفٍ أيْ: أنا أُديمُ، و"حتى"يَجوزُ أنْ تكونَ بمعنى إلى أَنْ.
وقبلُ، فلْنُبَيِّنْ حقيقتَها في الأصْلِ.
أمَّا حتى فالظاهِرُ مِن حالَتِها معنى الغايةِ، كإلى التي هي حَرْفُ جَرٍّ، مقابِلَةً لـ"مِن"التي لابتداءِ الغايةِ، وحتى محمولةٌ على إلى، ولذلك جَرَّتْ، وذلك في الكتابِ العزيزِ: {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ثم إنَّ حتى خَرجتْ إلى أبوابٍ أُخَرَ عن هذا الأَصْلِ: مِن عَطْفٍ وابتداءٍ, فلم تَتمكَّنْ في الْجَرِّ تَمَكُّنَ"إلى", فكانتْ إلى أَقْعَدَ منها في هذا البابِ، ودليلُ ذلك أنَّك تقولُ: جِئتُ إلى زيدٍ، وإليه، وإليك، وإليهما، ونظائرُه، واقتَصَرْتَ في حتى على: حتى زَيدٍ، ولم تَقُلْ حتَّاهُ، ولا حَتَّاكَ، ولا حَتَّاهُما، ولذلك اختلَفُوا في المجرورِ بعدَها، هل الجارُّ له حتى نفْسُها، أو نِيابةً عن إلى؟ وقيلَ: بإضمارِ إلى بعدَها وإنْ لم يَظهَرْ لفْظُها، والصحيحُ القولُ الأوَّلُ، فإذا وَقَعَ الفعْلُ بعدَها وكان منصوبًا رُوعِيَ تقديرُ أنْ بعدَ حتى، ليكونَ النصبُ بأنْ؛ لأنَّ العِلْمَ حاصلٌ بأَنَّ، ما كان جارًّا للاسمِ لا يكونُ ناصبًا للفعْلِ، فما بعدَ حتى مِن أنْ الْمُقَدَّرَةِ ومَعمولِها في مَوْضِعِ جَرٍّ بحتى، وحتى ومَعمولُها في موضِعِ نَصْبٍ بالفعْلِ قَبْلَها، أو ما يقومُ مقامَ الفعْلِ، ولا تُنْقَلُ إذا عمِلَتْ في الفعْلِ، إلا أنْ تكونَ بمعنى إلى أنْ، أو