الصفحة 17 من 43

كي، أو هما. فمِن الأوَّلِ قولُه تعالى: {لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} أيْ: إلى أنْ. فعَدَمُ الإيمانِ منهم مُمتَدٌّ إلى غايةِ الإتيانِ بالقُربانِ.

ومِثالُ الثاني: أَطِعِ اللهَ حتى يُدخِلَكَ الجنَّةَ، أيْ كي؛ لأنَّ الطاعةَ سببٌ لدُخولِ الجنَّةِ، لا أنَّ الدخولَ غايةٌ للطاعةِ، ومِثالُ الثالثِ: لأَلْزَمَنَّهُ حتى يُعطِيَنِي حَقِّي. يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ لُزومُه له سببًا للإعطاءِ، فيكونُ المعنى كي، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الإعطاءُ غايةً للزومِ، فتكونُ بمعنى إلى أنْ، ومنه قولُه تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} .

وأُديمُ هو العاملُ في حتى على كلِّ حالٍ، ويَجوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمِطالٍ، أي أَمْطُلُه لهذا المعنى، وأُمِيتُه نُصِبَ بحتى، أو بأنْ الْمُضْمَرَةِ، وأَضْرِبُ معطوفٌ على أُديمُ، ويَبْعُدُ عطْفُه على أُمِيتُه؛ لأنه يَلزَمُ منه أنْ يكونَ مُخْبِرًا عن شيءٍ واحدٍ، وهو أُديمُ، وإذا كان عطْفًا على أُديمُ، كان مُخْبِرًا بالأَمْرَيْنِ، فيكونُ أقْعَدَ في المعنى، أيْ: أُديمُ وأَضْرِبُ، والذكْرُ مفعولُ أضْرِبُ، وصَفْحًا مَصدرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُعْرِضًا، ويَجوزُ أنْ يكونَ مَصدرًا مِن أَضْرِبُ؛ لأنَّ"أضْرِبُ"بمعنى أُعْرِضُ، وصَفْحًا بمعنى الإعراضِ.

وأَسْتَفُّ تُرْبَ الأرضِ كَيْلا يَرَى له عَلَيَّ مِن الطَّوْلِ امْرُؤٌ مُتَطَوِّلُ

الطَّوْلُ الْمَنُّ، يُقالُ طالَ عليه وتَطَوَّلَ إذا امْتَنَّ، وكي حرْفٌ معناه الغَرَضُ، وهو ناصِبٌ بنَفْسِه، ولا تُضْمَرُ بعدَه أنْ إذا دَخلتْ عليه اللامُ، كقولِه تعالى: {لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} كما تَدخلُ اللامُ على أنْ، وذلك لأنَّ حرْفَ الجرِّ لا يَدخُلُ على مِثْلِه، فإذا كانت نفْسُها بمعنى أنْ، وأنْ وما بعدَها في تقديرِ الْمَصْدَرِ, كانت اللامُ داخلةً على الاسمِ، فإنْ لم تَدخُلْ اللامُ على كَيْ، وأُعْمِلَتْ في الفعْلِ، وَجَبَ إضمارُ أنْ بعدَها، لتكونَ كي تَقديرًا داخلةً على الاسمِ. كقولِك: كي مَهْ؟ ومعناه لِمَهْ؟ والأصلُ لِمَا؟ وما استفهامٌ وإنما حُذِفَتِ الأَلِفُ وثَبَتَتِ الهاءُ، لبيانِ الحركةِ ولو كانتْ كي بمعنى أنْ، لم تَدخُلْ على الاسمِ، فإذا دَخلتْ هذه على الفعْلِ، أُضمِرَتْ بعدَها أنْ؛ ليَصِحَّ عمَلُها في الفعْلِ، ودخولُها عليه، ودخولُ لا عليها لا يُبْطِلُ عمَلَها لأنها مؤَكِّدَةٌ كما تَدخلُ لا على أنْ، ويَرى منصوبٌ بكَي، وعلى الألِفِ فَتحةٌ مقَدَّرَةٌ، والهاءُ في له ضميرُ"امْرُؤٌ", وجازَ الإضمارُ قبلَ الذكْرِ؛ لأنَّ النيَّةَ به التأخيرُ، والتقديرُ: كي لا يَرَى امرؤٌ له عليَّ مِنَّةً، ومِن الطَّوْلِ صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، تقديرُه شيئًا مِن الطَّوْلِ.

وعندَ الأَخْفَشِ مِن زائدةٌ، لأنه يرى زيادتَها في الْمُوجِبِ، ويكونُ التقديرُ: لئلا يَرَى عليَّ امرؤٌ طَوْلًا.

والْحَقُّ أنَّ مِن لا تَجوزُ زيادتُها في الموجِبِ لأنها حرْفٌ, والأصلُ في الحروفِ إفادتُها في المعاني التي وُضِعَتْ لها نِيابةً عن الأسماءِ والأفعالِ، ألاَ تَرَى أنك إذا قُلتَ: أزيدٌ عندَك؟ كانَ التقديرُ: أَسْتَفْهِمُ. والغرَضُ إنما هو الاختصارُ، وما وُضِعَ للاختصارِ فالحكْمةُ تَأْبَى مَجيئَه زائدًا, إذ هو عكْسُ المقصودِ، والموْضِعُ الذي جاءَ فيه زَائدًا كان لمعنًى مِن تأكيدٍ وغيرِه، ولا يَصِحُّ ذلك المعنى هنا، ألاَ تَرَى أنك لو قُلتَ: رأيتُ مِن رجلٍ، لم تُفِدْ شيئًا بِمِن، ولو قلتَ: ما رأيتُ مِن رجلٍ، كان دخولُها مفيدًا، وقولُه تعالى: {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} ونظائرُه, فمِن فيه للتبعيضِ؛ لأنَّ إخفاءَ الصدَقَةِ لا يُكَفِّرُ كلَّ السيِّئاتِ، واللامُ معمولةٌ ليَرَى، وكذلك عليَّ، ويَجوزُ أنْ تكونَ صِفةً لِمَوْضِعِ مِن الطَّوْلِ؛ لأنَّ تقديرَه مِنَّةٌ، ومِنَّةٌ نَكِرَةٌ قُدِّمَ عليها فصارَ حالًا، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ مِن صفةِ الطوْلِ، وإنما امتَنَعَ لِمَا فيه مِن تقديمِ الصِّلَةِ على الموصولِ فيَجِبُ تقديرُ مِثلِ الموصولِ، فيَعْمَلُ في عليَّ، وتقديرُه: كيلا يَتطوَّلَ عليَّ متَطَوِّلٌ.

ولولا اجتنابُ الذامِ لم يُلْفَ مَشْرَبٌ يُعاشُ به إلا لَدَيَّ ومَأْكَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت