الصفحة 19 من 43

الحذْفُ، وإثباتُ المحذوفِ جائزٌ، فإنْ طالَ جِدًّا، وكانَ الطولُ لازمًا لَزِمَ الحذْفُ، ومثالُه ما ذُكِرَ في هذا البيتِ، والتقديرُ: ولولا اجتنابُ الذامِ مَوجودٌ، فمَوجودٌ هو الخبرُ.

وليس قولُك: (لم يُلْفَ مَشْرَبٌ) خبرَ الاجتنابِ؛ لأنَّ المعنى ليس عليه، ولو كانَ خبرًا لكان له فيه ذِكْرٌ مُظْهَرٌ أو مُقَدَّرٌ. وفي تَعَرِّيهِ مِن ذلك دليلٌ على أنه ليس بخبرِ المبتدأِ، ولا بُدَّ للمبتدأِ مِن خَبَرٍ، وهذا ليس بخبرٍ، فتَعَيَّنَ أنْ يكونَ مَحذوفًا أيضًا للعلْمِ به، وهذا يَمتنِعُ بها الشيءُ لوجودِ غيرِه؛ لأن لو معناها: امتناعُ الشيءِ لامتناعِ غيرِه، وامتناعُ وجودِ الشيءِ انتَفَى بلا الداخلةِ على لو نافيةِ الامتناعِ، فكانتْ لولا دالَّةً لذلك على امتناعِ الشيءِ لوُجودِ غيرِه.

وقالَ ابنُ كَيْسَانَ: يَرتفِعُ الاسمُ الذي بعدَ لَوْلاَ بأنه فاعلُ لولا، كارتفاعِ الفاعلِ بفِعْلِه، وقيلَ يَرتفِعُ بفعْلٍ محذوفٍ، تقديرُه: لولا وُجِدَ اجتنابُ الذامِ. هذه مسألةٌ تَحتمِلُ كلامًا طويلًا ليس هذا مَوْضِعَه.

واجتنابُ مَصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، ولم حَرْفٌ يَجْزِمُ الفعلَ المضارِعَ، وإنما عَمِلَتْ في الفعلِ لاختصاصِها به، وجَزَمَتْ لأنَّ الفعْلَ ثقيلٌ في نفْسِه، ولم ناقِلةٌ له مِن زَمنٍ إلى غيرِه، فيَزيدُ ثِقَلُهُ بذلك، فناسَبَ أنْ تَعمَلَ الحذفُ، ولأنها أَشْبَهَتْ"إنْ"الشرطيَّةَ في النقْلِ، فعَمِلَتْ عمَلَها، ويُعاشُ به صِفةٌ لِمَشْرَبٍ، أيْ مَشْرَبٍ مُعاشٍ به, ولَدَيَّ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أيْ إلا هو لَدَيَّ، فحُذِفَ المبتدأُ للعلْمِ به، ومأكَلُ قالَ بعضُهم: هو معطوفٌ على هو الْمُقَدَّرَةِ بعدَ إلا، ويَجوزُ أنْ يكونَ مَعطوفًا على مَشْرَبٍ.

ولكنَّ نَفْسًا مُرَّةً لا تُقيمِ بي على الذامِ إلاَّ رَيْثَما أَتَحَوَّلُ

لكنَّ حرْفٌ معناه الاستدراكُ، وكذلك هو هنا؛ لأنه ذَكَرَ بعضَ صِفاتِه، ثم استَدْرَكَ فأضافَ إليها شيئًا آخَرَ، ومِثلُه قولُه سبحانَه وتعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} ثم قالَ سُبحانَه: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} فلم يَضْرِبْ عما وَصَفَهم به، بل أضافَ إليه صِفةً أخرى، و"مُرَّةً"صِفةٌ لـ"نَفسًا"وخبرُ لكنَّ محذوفٌ تقديرُه لي، وحُذِفَ لأنه معلومٌ، ولا تُقيمُ يَجوزُ أنْ يكونَ صِفةً لـ"نَفْسًا"أيْ أَبِيَّةً، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن"نَفْسًا"؛ لكَوْنِها موصوفةً، ويَجوزُ أنْ يكونَ خبرَ لكنَّ، و"بي"يَجوزُ أنْ يكونَ حالًا أيْ: لا تُقيمُ مُصاحِبَةً، وريثما بمعنى قَدْرَمَا، ومعنى الرَّيْثُ الإبطاءُ، وهو منصوبٌ بـ"تُقِيمُ"وما مَصدريَّةٌ، أيْ: إلا قَدْرَ تَحَوُّلِي.

وأَطْوِي على الْخُمْصِ الحوايَا كما انْطَوَتْ ... خُيوطةُ مارِيٍّ تُغارُ وتُفْتَلُ

الْخُمْصُ بالضمِّ ضُمورُ البطْنِ، ورَجُلٌ خَمصانُ الْحَشَا أيْ ضامرُ البطْنِ، والجمْعُ خِمَاصٌ، والْخَمْصُ بالفتْحِ الجوعُ. والْخَمْصَةُ الْجَوْعَةُ، يقالُ: (ليس للبَطِنَةِ خيرٌ مِن خَمْصَةٍ تَتْبَعُها والْحَوايا جَمْعُ حَوِيَّةٍ، وهي الأمعاءُ، والْخُيوطةُ السلوكُ، وهي الْخُيوطُ، ومَارِيٌّ اسمُ رجُلٍ، وقيلَ اسمُ الفاتلِ, وتُغارُ تُحكَمُ, وحَبْلٌ مُغارٌ, أيْ: مُحكَمُ الفَتْلِ، وحَبلٌ شديدُ الغارةِ، أيْ مُحْكَمُ الفتْلِ.

وأَطْوِي مَعطوفٌ على أَسْتَفُّ، والحوايَا مفعولُ أَطْوِي، وعلى الْخُمْصِ، يَجوزُ أنْ يكونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ جائعًا، والكافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ محذوفٍ، أيْ طَيًّا كانطواءِ خُيوطةِ الْمَارِيِّ، وما مَصدريَّةٌ، والتقديرُ: أَطْوِي فتَنطوِي مِثلَ انطواءِ خُيوطةِ مَارِيٍّ، والتاءُ مِن"خُيوطة"دالَّةٌ على كثرةِ الجمْعِ، كقولِهم: حِجارٌ وحِجارةٌ، وأمَّا"تَغارُ"فحالٌ مِن"خُيوطةُ"، أي: مُحكمَةً، إنْ كانَ مَارِيٌّ اسمَ رجُلٍ، وصِفةٌ لخُيوطةٍ، إنْ كان ماريُّ اسمًا لفاتِلٍ، أيَّ فاتلٍ كانَ، وتُفْتَلُ معطوفٌ على"تَغارُ".

وأَغْدُو على القُوتِ الزهيدِ كما غَدَا أَزَلُّ تَهاداهُ التَّنَائِفُ أَطْحَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت